رأي النخبةسياسة

داود كتاب: خطة ترامب الزائفة

 

*داود كتاب

عمان- لقد كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة سلام تقول إدارته أنها ستنهي عقوداً من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وذلك من خلال طرح تنازلات من الطرفين. الحقيقة أنه حتى شكل الإعلان الذي قدمه ترامب، وعلى يمينه رئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دون وجود لأي فلسطيني في المكان، كشف زيف وخداع ذلك الادعاء.

تتطلب مفاوضات السلام تناغماً منضبطاً وانسجاماً متزناً بين شكل المفاوضات ومضمونها. أما خطة ترامب للسلام فلا تعكس سوى زيف مسار المفاوضات شكلاً ومضموناً.

الأمر ليس فقط أن الجانب الفلسطيني لم يشارك في الإعلان؛  فالبيت الأبيض ومنذ نقل السفارة الامريكية للقدس لم يوجه أية دعوة للرئيس الفلسطيني لزيارة الإدارة الأمريكية الأكثر دعماً لإسرائيل، في الوقت الذي  زار نتنياهو الولايات المتحدة خمس مرات بما فيها الزيارة الأخيرة التي وقف فيها إلى جانب ترامب فرحاً شامتاً مزدرياً بالجهة التي من المفترض أن جاء ليصنع معها السلام. فنتنياهو رفض حتى ذكر كلمة “فلسطيني” في لقائه الاخير في البيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي.

ولكن ليس من الضرورة بأن يكون نتنياهو في الجوار حتى تعمل الإدارة الأمريكية لحساب مصالحه ومصالح داعميه من اليمين. فضمن ما يسمى فريق السلام الأمريكي هناك صهاينة مسيحيون مثل نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو ممن يوجهون عمل الفريق إضافة إلى صهاينة يهود أهمهم صهر ترامب جيرد كوشنر ومحامي مؤسسة ترامب لغاية أيلول الماضي جيسون جرينبلات. كل هؤلاء والسفير الأمريكي لإسرائيل ديفيد فريدمان هم من مؤيدي الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة في مناهضة لحقوق الإنسان الفلسطيني وأهمها حقه في تقرير مصيره.

لقد كان التحيز في التوجه واضحاً للغاية بحيث رفضه الرئيس محمود عباس فور رؤيته الخطة. لقد كان حدسه صائباً بأن الخطة  تدعم دون حياء المصالح الإسرائيلية على حساب المصالح الفلسطينية.

تقترح خطة إدارة ترامب إقامة شبه دولة مشرذمة محاطة بدولة إسرائيل التي سمحت لها الإدارة الأمريكية بضم كافة المستوطنات التي تم بناؤها منذ حزيران 1967 إضافة إلى غور الأردن؛ وهي خطة تم التمهيد لها أساساً باعتبار القدس العاصمة غير المقسمة لإسرائيل في حين تقام العاصمة الفلسطينية في إحدى الضواحي الشرقية للقدس.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض أن المطروح هو صفقة القرن بل أسماها صفعة القرن حيث تتجاهل عقوداً من المفاوضات وتضافر جهود الجيران العرب مثل الأردن ومصر في تشجيع الاعتدال.

 الفلسطينيون ليسوا الوحيدون الخاسرون من خنوع ترامب للإسرائيليين. فمن الصعب فهم كيف تخدم هذه الخطة أمريكا. فقد قدمت إدارة ترامب الهدية السياسية تلو الأخرى لإسرائيل بما في ذلك نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن ورفض اعتبار المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي. كما أوقفت الدعم المالي لوكالة الاونروا للاجئين الفلسطينيين (التي تعمل على إدارة شؤون اللاجئين منذ إقامة دولة إسرائيل عام 1948) وتجميد دعم المستشفيات المقدسية التي توفر العناية الحرجة للفلسطينيين.

وماذا حصلت الولايات المتحدة في المقابل؟ لا شيء على الإطلاق. فحسب أقوال توماس فريدمان كاتب عامود في النيويورك تايمز فقد حصّل ترامب القليل وقد تبين أنه ليس أكثر من الصديق المغفل لنتنياهو.

إن إعلان خطة السلام الجديدة يهدف الى تقوية قاعدة ترامب المشكلة من الكثير من الصهيونيين المسيحيين وذلك بهدف الوقوف معه فيما تجري المحاكمة لمحاولة عزله في مجلس الشيوخ. وسيقدم الأمر ذاته لنتنياهو الذي واجه مأزقين انتخابيين وثلاث محاولات فاشلة لتشكيل حكومة في الأشهر الماضية وقد تمت عملية اتهامه القانونية بالفساد فقط ساعات قبيل الحدث في البيت الأبيض.

للتوضيح، فإن إدارة ترامب لم تقدم خطة شجاعة لسلام دائم بل حيلة وقحة لمخالفة القانون الدولي وحقوق الإنسان للفلسطينيين ومبادئ العدل الأساسية.  ورغم أنها قد توفر دفعة مؤقتة لترامب ونتنياهو إلّا أن الفلسطينيين لن يقبلوها أبداً.

سيحاول مؤيدو الخطة تصوير رفض الفلسطينيين لخطة ترامب أنه رفض للسلام. يجب ألّا نسمح لهم بذلك. فالفلسطينيون ومعهم الدول العربية لا يزالون متمسكين بحل الدولتين على حدود 1967 وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. هذا هو الأساس العادل المبني على مفاوضات صادقة وحلول متفق عليها من الطرفين الذي ممكن أن يشكل أساساً لحل سلمي. أما خطة ترامب فهي خطة زائفة.

داود كتاب* صحفي فلسطيني حاصل على العديد من الجوائزالعالمية وأستاذ صحافة سابق في جامعة برينستون الأمريكية.

 

Copyright: Project Syndicate, 2020. ينشر بالاتفاق مع زحمة دوت كوم
www.project-syndicate.org

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق