ثقافة و فن

حوار- الأثري الإيطالي فرانشيسكو تيرادريتى:” الموناليزا الفرعونية” مزيّفة..وهذه هي الأدلة

زحمة – حوار خاص مع الأثري الإيطالي الذي أعلن أن أحدى أهم اللوحات الفرعونية المصرية  “أوزّات ميدوم”  والشهيرة بـ “الموناليزا الفرعونية” هي  لوحة مزيفة رسمت في القرن التاسع عشر على يد الرسام والأثري  الإيطالي لويجي فاسالي.

 Francesco Tiradritti

في الأول من أبريل  الجاري أعلن الأثري الإيطالي فرانشيسكو تيرادريتي  أن إحدى  أروع القطع الأثرية المصرية “أوزّات ميدوم”  ليست أصلية وليست فرعونية،  بل رسمها أحد الفنانين في القرن التاسع عشر،  هو  لويجي فاسالي الذي يفترض أنه “اكتشف” اللوحة   في مقبرة زوجة  نفر ماعت في منطقة ميدوم “بني سويف الحالية” عام 1871م. ولكن فرانشيسكو يقول أن فاسالي رسم اللوحة ولم يكتشفها. مما أثار  ردود  أفعال واسعة  ومصدومة  في مصر والعالم. فاللوحة   التى اعتبرت لسنوات طوال رمزا للفن المصري القديم قد  أصبحت محل شك بين الأوساط العلمية.

geese
لوحة “أوزات ميدوم” المعروضة  في المتحف المصري تظهر 6 أوزات  من 3 أنواع تتجه إلى زوايا مختلفة  وتتميز بألوانها الزاهية وتعد إحدى أهم لوحات الفن المصري القديم

زحمة دوت كوم” اجرت حوارا عبر البريد الإلكتروني  مع فرانشيسكو تيرادريتى، الأثري الإيطالي الذي أُثار كل هذا الجدل، وهو أيضا  رئيس البعثة الاستكشافية الإيطالية في الأقصر والاستاذ المساعد لعلم المصريات في جامعة “كور” الإيطالية، في محاولة لفهم الأدلة التى طرحها وفتح باب للنقاش حول الموضوع.

أجرى الحوار   –  محمد علي الدين

زحمة:  متى ثارت لديك الشكوك حول صحة وأصالة لوحة ” أوزّات ميدوم”؟ ومتى  شعرت أنك  متأكد أن اللوحة مزيفة؟

تيرادريتي: بدأت اتشكك في أصالة اللوحة عندما أجريت بعض الأبحاث على فصائل الطيور المرسومة في اللوحة. ووجدت أن أربعة من ستة طيور متطابقة تماما مع أوزات “تايجا” و”توندارا” التى تصل فقط إلى شمال أوروبا وسواحل بحر إيجه في تركيا. تأكدت من أن اللوحة ليست أصلية مؤخرا عندما زرت المتحف المصري في القاهرة خلال يناير الماضي.

زحمة: لماذا قررت أن تكشف عن هذا الأمر الآن؟

تيرادريتي: توصلت إلى دليل متماسك فقط خلال الشهرين الماضيين. والسبب الذى دفعني للإعلان عن الاكتشاف في صحيفة “جرنال دي آرت” الإيطالية أنني شعرت بضرورة أن نبدأ نقاشا مع الزملاء حول الموضوع. ظهور شكوك حول أصالة واحدة من روائع الفن المصري يعد فرصة مناسبة كي ننظر بشكل أفضل وبطريقة مختلفة لما تراه أعيننا من قطع أثرية.

زحمة: طرح شكوك حول أصالة لوحة اعتبرت لسنوات طويلة عملا فريدا ورائعا  هو أمر غاية في الصعوبة.. كيف شعرت حيال ذلك؟

تيرادريتي : لقد كان أمرا مؤلما. ورغم أن المقال المنشور في صحيفة “جرنال دي آرت” كان قصيرا إلا أنني قضيت أسابيع لكتابته ومراجعته. طرح شكوك حول أصالة لوحة “ميدوم” كان بالنسبة لي إعلان نهاية خرافة. كنت دائما اعتبر تلك اللوحة “أروع” أعمال الفن المصري، وكنت أشعر بالإعجاب والحب تجاهها.

في كل مرة تسمح لي الظروف بزيارة المتحف المصري كنت أمر من أمام لوحة “ميدوم” لأعبر عن إعجابي بتلك الأوزات. طرح الشكوك  حول تلك اللوحة يعني بالنسبة لي أنني كنت أيضا مخطئا. لقد استخدمت اللوحة ضمن الكثير من أعمالي، كما أنني طلبت استخدامها كـ”شعار” لمعرض “كيمت” لآثار ما قبل التاريخ والتاريخ المصري المبكر  الذى نظمته في مدينة رافينا الإيطالية عام 1998.

زحمة:  ما الأدلة التى جمعتها لتقرر أن لوحة “ميدوم” ليست أصلية؟ وكم من الوقت احتاج الأمر لإثبات ذلك؟

تيرادريتي: اكتشفت في الماضي بعض العيوب في لوحة “ميدوم” لكنني كنت دائما أرجع ذلك إلى حقيقة أنني أمام أروع عمل فني في التاريخ المصري، ولهذا السبب قبلت فكرة أن يكون مختلفا عن باقي الإنتاج الفني المصري. لكن بعد شهور عديدة من البحث استطعت أن اجمع خلالها عشرات المناقشات حول أصالة لوحة “ميدوم”. يمكنني أن أشير إلى تقنية رسم اللوحة، والألوان، والأبعاد الكبيرة لاثنين من الأوزات على اطراف اللوحة مقارنة ببقيه الأوزات.

زحمة: هل هناك أي ادلة أخرى تشير إلى أن لوحة “ميدوم” غير أصلية؟

تيرادريتي: يمكننا جمع باقي الأدلة من خلال قصة اكتشاف لوحة “ميدوم”. وسنجد أن عالم المصريات الفرنسي أوجوست مارييت أشار في كتابه “المصطبه” إلى لوحة “أوزات ميدوم”، كما أن اللوحة ظهرت في نسخة عام 1874 من “دليل زوار متحف بولاق”. وقد وصفت مطبوعة أخرى التقنية المستخدمة في رسم اللوحة بـ”الغواش” أو الرسم بالألوان المائية، وهى تقنية لم تستخدم إلا في القرن التاسع عشر.

الحالة الجيدة التى تظهر بها اللوحة لا تتناسب مع كونها لوحة نزعت من أحد الجدران. كما أنها تبدو مختلفة بشكل ملاحظ عن بقايا اللوحات الأخرى التى أخذت من معبد “آتيت” (زوجة الأمير نفر ماعت) ومعروضة الآن في المتحف المصري بالقاهرة وفي جميع أنحاء العالم.

زحمة:  هل قام “ لويجي فاسالي ” المفترض أنه المسئول عن إزالة اللوحة من مقبرة الأمير نفر ماعت، بإعادة رسم لوحة كانت موجودة أصلا أم أنه رسم لوحة جديدة تماما؟

تيرادريتي: هذا السؤال لن يجيب عليه إلا التحليل العلمي للوحة. آاثار الرسومات والأشكال التى تظهر أسفل خلفية لوحة “ميدوم” – والتى يمكن رؤيتها حتى الآن – تقودنا إلى الاعتقاد أن فاسالي استخدم الجزء السفلي من لوحة تصور منطقة زراعية وعليها كتابات هيروغليفية كقاعدة للوحته التى رسمها.

Luigi-Vassalli-Credit-Photo-courtesy-Francesco-Tiradritti
لويجي فاسالي

زحمة: لماذا أقدم فاسالي على هذا الأمر؟

تيرادريتي: يمكنني فقط أن أخمن. لدينا الآن مفهوم واضح للتزوير، وهو ما كان مختلفا تماما خلال القرن الماضي.  وعلى سبيل المثال تغيرت مواقفنا هذه الأيام تجاه “إيملي جيليرون” وأعماله في قصر “كنسوس” في كريت (أثري وفنان سويسري اكتشف العديد من الآثار القيمة بجزيرة كريت لكن ثارت شكوك حول تزييفه لبعض الأعمال).

لا اعتقد أن فاسيلي رسم لوحة “ميدوم” ليخدع الناس، لكني أميل إلى أنه أراد أن يصنع عملا فنيا لعرضه في متحف بولاق حيث لم تكن هناك أعمال مشابهه.

زحمة: قدمت عددا من الأدلة تؤكد أن اللوحة غير أصلية.. إذا ما خطوتك القادمة؟

تيرادريتي: لقد خطوت تلك الخطوة أما الخطوة القادمة فليست لي. أمل فقط أن يتبع زملائي هذا المسار وأن يضعوا في اعتبارهم أن طرح الشكوك حول أصالة أحد القطع الأثرية المصرية أمر وارد وممكن.

زحمة: هل تلقيت أي تعليقات أو ردود من وزارة الآثار المصرية؟

تيرادريتي: في 3 إبريل نشر موقع صحيفة “الأهرام” أن المتحف المصري وعلماء الآثار المصريين رفضوا نظريتي. توقعت ذلك، وهو أمر جيد أن يكون هناك مناقشات مثارة حول الموضوع. طريقة الردود كانت تبدو غاضبة بعض الشىء، وأنا اعتذر إذا شعر أي زميل مصري بالإهانة. أنا لم اقصد ذلك واعتذر عن أي إزعاح سببته لهم.

تلقيت أيضا تعليقات من زملاء اخرين طرحوا على المزيد من الأسئلة وطلبوا توضيحات أكثر، وبعضهم طرح شكوكا حول نظريتي. بشكل عام الردود كاننت إيجابية. الزملاء أحبوا ما فعلته واتفقوا معي على أنه قد جاء وقت إحداث تغييرات في مجال دراستنا. بدأت أيضا في تلقي دعوات لإلقاء محاضرات حول الموضوع.

قلت في مقابلة مع صحيفة “جرنال دي آرت”: “في رأيي إذا أردنا لعلم المصريات أن يصبح علما حقيقيا، فعلينا أن نمر بعملية توثيق وتدقيق (للاثار)”. هل هذا يعني أن لدى المتاحف المصرية الكثير من القطع غير الأصلية؟ وكيف يمكن ان نبدأ عمليات التدقيق؟

تيرادريتي: أنا مقتنع بشدة أننا في حاجه إلى عملية تدقيق للانتقال بعلم المصريات إلى مجال الدراسة العلمية. والغرض من الاعلان عن عدم أصالة لوحة “ميدوم” هو التحذير والتنبيه من الوضع الحالي. واعتقد أنه لابد من طرح الشكوك حول القطع المعروضة في المتاحف دون مصدر. وهذا لا يعني أنها لابد أن تكون مزيفة. بالنسبة لي هى دعوة للتفكير بشكل أفضل في القطع الموجودة أمام أعيننا. وحلمي أن يلعب المصريون دورا بارزا في هذه المرحلة الجديدة. واتمنى ان يحملوا في أيديهم تاريخ بلادهم ويجددوا طريقة دراسته.

harwa13

مازال علماء المصريات يعتقدون أن “حاروا” كان شخصية غامضة في التاريخ المصري القديم. الآن بعد 20 سنة من عملك كرئيس للبعثة الأثرية الإيطالية في الأقصر.. ما الذى نعرفه عن هذا الرجل ودوره في التاريخ المصري؟

تيرادريتي: البحث في الاثار الجنائزية لموقع “حاروا” (أحد اكتشافاتنا في المقبرة تقول إن الموقع يعتبر ضريحا تذكاريا) قادنا إلى العديد من الاكتشافات بعضها مازال يحتاج إلى دراسة. فيما يتعلق بـ”حاروا” نفسه فإن معلوماتنا ضئيلة لكن تمثالا له مزين برموز ملكية عند اليدين واكتشف في 1997 يقودنا إلى الاعتقاد بأنه كان نائبا للملك في جنوب مصر. الأكثر أهمية هى تلك الآثار الفخمة التى عثرنا عليها، فهي تثبت أنها صنعت خلال عصر كانت مصر فيه مازالت دولة عظمى وغنية ثقافيا وتزدهر بالحياة. وقد اعتدنا على تسميه تلك الحقبة بـ”عصر النهضة الفرعوني” في إشارة إلى التطور الذى شهدته.

luxor italy

ما آخر أخبار البعثة الإستكشافية الإيطالية في الأقصر وآثار “حاروا”؟

تيرادريتي: خلال السنوات الأخيرة اكتشفت آثار ما يعرف بـ”الجائحة القبرصية”، وهو وباء اجتاح الإمبراطورية الرومانية في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. يعتبر ضريح “حورا” الآن في مركز مشروع يهدف إلى تحديد “جينوم” الفيروس المسئول عن ذلك الوباء. إذا نجحنا في ذلك ستساعد النتائج في هزيمة باقي الأوبئة مثل “الإبولا”. يبدو الأمر كأنه خيال علمي لكنه سيكون الخطوة القادمة في هذا البحث.

الأكثر أهمية أنني اشعر بعد عشرين عاما من التنقيب والبحث أن الوقت قد جاء لإحياء تلك الآثار الرائعة ونشر نتائج أعمال التنقيب والدراسات التى اجريناها.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق