منوعات

حدّق في عيني ..ماذا ترى؟

حاول أن تحدق في عين أحدهم لعشر دقائق .. وسجل ماذا رأيت؟

Qz- جيني إيفينز  – ترجمة دعاء جمال

لقد أخذت للتو استراحة هلوسه قصيرة مع زميلتي، ودخلنا لخزانة الإمدادات، ثم أغلقنا الأضواء، وجلسنا وحدقت في وجه زميلتي وحدقت هي في وجهي وشاهدت كيف تحول وجهها إلى ما يشبه وجهة اللبؤة. بكيت طوال الوقت، ثم عدنا إلي العمل.

كنا نختبر نظرية، تحدثوا عنها بموقع “أي إف إل ساينس”، وهي أن التحديق بأعين أحد لعشر دقائق، يمكن أن يكون له نفس تأثير مخدر “إل إس دي”، ووجدنا أن النظرية صحيحة.

جمع جيوفاني كابوتو، الباحث بجامعة أوربينو بإيطاليا، 20 شخصاً، وجعلهم يحدقون في أعين بعضهم البعض في غرفة خافتة الإضاءة لعشر دقائق. ونشرت النتيجة بمجلة “سيكياتري ريسيرش”، حيث أبلغ الخاضعون لتجربة كابوتو عن بعض التأثيرات الغريبة للغاية، منها اختبارات “الخروج من الجسد ورؤية وحوش أو أشخاص موتى”.

لذلك عندما وصلت لورين، زميلتي بالعمل هذا الصباح، سألتها :” أيمكنني النظر في عينيك لعشر دقائق؟”

أجابت ضاحكة :”اعتقدت أنك لن تطلبي ذلك أبداً”.

جلست تقريباً في نفس أجواء دراسة كابوتو، والتي كانت أقرب للعبة “سبع دقائق في الجنة” (لاعبة يمارسها المراهقون خلال الحفلات وتتضمن البقاء داخل دولاب مغلق وتبادل القبل)، ولكن بمكان عملي.

أحضرت كرسيين إلى داخل الخزانة الكبيرة، ووضضعت مصباحا صغيرا خلف بعض الصناديق، كمصدر وحيد للإضاءة. وجعلت إضاءة الغرفة خافتة كفاية بحيث لم يعد يمكنني رؤية الألوان، إلا أنه لا زال بإمكاني تبين التفاصيل البعيدة عني ببضعة أقدام. وضعت هاتفي في وضعية الطيران وجلبت لورين. جلسنا وضبطنا المؤقت.

لدي لورين نظرة حادة إلى حد ما، في إطار متناسق مع حواجب كاملة جاذبة للانتباه.

كان هذا أول شىء خطر لى، في اللحظة التي جلسنا فيها في الظلام، ثم الضحك، والذي انتابها أيضاً. بعد بضعة ثوان طويلة، استقرينا في أماكننا. شاهدت الابتسامة تختفي من وجه لورين، وشعرت بأننى امتص لداخل عينها. وبدأ الجزء السفلي من وجهها بالاستطالة، والمعالم البارزة في وجنتيها بدأت تبدو مثل نوعاً ما من طلاء الحرب أو علامات القبائل. خطر لي أنها تبدو مثل زعيمة الأمريكيين الأصليين.

ثم سقط هاتفي بقوة عن حقيبة الكاميرا التي وضعته عليها وعلى الأرض. كسرت حملقتنا لالتقاطه وأعيد ضبط المؤقت. كان قد مضى حوالي 30 ثانية، وبدأنا مجدداً.

الآن نستقر أسرع، ومجدداً، شعرت بأني أمتص لداخل عين لورين، وبهدوء شديد. لست بالمتأملة، ومحاولتي الجادة مع تطبيق التأمل “Headspace” كانت قصيرة المدي، لكني سقطت فيما يدعى بحالة تأملية. طافت الأفكار داخل وخارج عقلي، لكني شعرت كأني ألاحظها، أقرب للتفكير النشط فيها. كان ذلك أمرا مثيرا. الآن، اتساءل إذا كان وجة لورين قد تغير لأن عظام وجنتيها تبدو مشرقة.

في مرحلة مبكرة جداً، بدأت عيني اليسرى تدمع. ملأتها دمعة ونزلت على وجنتي. مسحتها بعيداً، ثم قلقت من أن تكون شتتت لورين. ثم جاءت أخرى، وتركتها تنزل لرقبتي. ثم بدأت عيني اليمنى أيضاً. هل كنت أنسى أن أطرف بعيني؟ كنت طرفتها لكن الدموع لم تتوقف. لم تكن مثل الدموع العاطفية، لكنها أقرب لتلك التي تتدفق عن وجهي في أيام الشتاء العاصفة. ثم، انتظر لحظة. هل كانت لورين تبكي؟ كان يبدو أن عينها تفيض بالدموع، يبدو أن جانبي فمها تحولت للأسفل. شعرت بأن هناك الكثير من المشاعر وراء عينيها، وظللت أحدق بهما فقط. نجت لورين من سرطان الثدي، وحضر بذهني أن تلك قد تكون المساحة التي قد تزحف فيها هذه الأفكار.

بعد عدة دقائق، ضحكت.

وجه لورين الأقرب لزعماء القبائل لم يعد أبداً، لكن أنفها وفمها بدآ في الاختفاء، وسريعاً ظعر مكانهما أنف قط بري، ثم بدا الأبيض في عينها ساطعاً في الظلام، ومازل في إطار حاجبيها.

انتهى الوقت المحدد لتلك التجربة، وقلت لها:”لقد مر هذا سريعاً حقاً”، فردت موافقة: “هذا مر سريعاً للغاية!”.

أضأنا النور وبقينا في الخزانة لاستخلاص الخبرات، وقلت لها:”هذا كان في غاية الغرابة”، فوافقتني الرأي، وسألتها هل لاحظت دموع عيني طوال الوقت. لم تفعل. وقلت لها أنني لم أشعر بالإنفعال إطلاقاً، لكن دموعي لم تتوقف. جعلني أفكر بأداء مارينا أبراموفيتش بفيلم ” The Artist is Present“.

أخبرت لورين بأنها بدت كما لو أنها تعلو “كالفيضان” مرتين. قالت إنها لم تكن كذلك إطلاقاً، وأضافت:”اعتقد انك كنت تتوقعين ذلك”.

ثم أخبرتني سبب ضحكها في منتصف جلستنا، وقالت:” بدوت كحيوان صغير غريب !”، فقلت لها:” أنت كنت تبدين مثل حيوان!”، وصحت: ” مثل الأسد!. كنت أسداً”، وصاحت أيضا: “أنت كنت أسدا، وصححت نفسها بل كنت لبؤة”.

أكملنا تحليلنا العلمي بهذه الطريقة (على عكس المشاركين بدراسة كابوتو، الذين أجابوا على أسئلة الدراسة بمقياس من 1 إلى 5، ومن المحتمل أنهم لم يصيحوا داخل خزانة).

قالت لورين أيضاً إن وجهي بدأ بالاختفاء بداخل صورة ظلية سوداء، محاطة بأضواء زرقاء، وأنه في لحظة ما، خطر لها أن وجهي في الظلام، بدا مثل الموت. حاولت أخذ الأمر بشكل شخصي. قالت :” لكن ليس كما لو كنت ميتة”.

خرجنا من الخزانة، ونظرت لدراسة كابوتو بالتفصيل. وظهر أن مشاركين آخرين قد أبلغوا عن رؤية حيوانات (30%) أو وجه شخص من عرق مختلف (7%). والصادم أن (75%) قالوا أنهم رأوا وجه وحش. لم يبلغ أحداً عن ملاحظة المشاعر على وجه شريكهم في التجربة أثناء التحديق، لكن قد يكون كابوتو لم يسألهم عن ذلك.

لا تزال، تجربتي مع لورين، في الأغلب، أكثر اختلافاً قليلاً من أولائك المشاركين في دراسة كابوتو، وليس فقط لأننا كنا بخزانة إمدادات. جلسنا كأصدقاء وزملاء مرتاحين لبعضنا البعض، ولم نكن غرباء.

جعلتني أفكر بقصة مجلة نيويورك تايمز ( باي وال) عن الوقوع في حب غريب بالإجابة عن أسئلة شخصية أثناء تحديق أحدهم للاخر.

لا يمكنني القول أنني ولورين أغرمنا ببعضنا، لكننا تشاركنا شيئاً رائعاً: تجربة تغير إدراكي؛ ومساحة هادئة للجلوس مع أفكارنا، بعيداً عن الانترنت؛ والكثير من الضحكات بعدها. والأكثر، احتاج الأمر لعشر دقائق، وكان مجانيا، ولم نعان من آثار ما بعد الشراب.

أنصح بشدة إيجاد صديق وغرفة مظلمة، وأخذ عشر دقائق لتجربة الأمر.. من يعرف ماذا يمكن أن يحدث؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق