مجتمع

“جوته” يغادر وسط البلد إلى الدقي ويحتفل مع جمهوره

مقر معهد جوته الجديد بالدقي
مقر معهد جوته الجديد بالدقي
فعاليات ثقافية وفنية على مدار 36 ساعة تبدأ اليوم وحتى منتصف ليل الجمعة

 كتب: يحيى وجدي

 تصوير: صديق البخشونجي

بالتعاون مع جريدة “منطقتي” وسط البلد
تُرى ما الذي يجمع بين شارع جروسن هيرشجرابن بمدينة فرانكفورت الألمانية على نهر الماين، وشارع البستان بوسط البلد في قلب القاهرة، وشارع حسين واصف في ميدان المساحة بالدقي؟

يجمع بين هذه الشوارع التي تقع على جانبين مختلفين من العالم، اسم يوهان فون جوته (أغسطس 1749- مارس 1832) أحد أبرز أعلام الثقافة في ألمانيا والعالم. ففي شارع جروسن بفرانكفورت هناك المنزل الذي عاش “جوته” طفولته به وتحول الآن إلى متحف، بينما حملت الفيلا رقم 5 شارع البستان اسم الكاتب الألماني الأشهر منذ عام 1958 كأحد أقدم المراكز الثقافية الأجنبية في مصر، وانتقل مؤخرا إلى الدقي في مكان جديد سيكون من الآن فصاعدا مقرا لمعهد “جوته” في القاهرة، في 17 شارع حسين واصف بميدان المساحة.

والآن، وأنتم تقرؤون هذه السطور، تقام فعاليات الاحتفال بتدشين المقر الجديد.. احتفال بدأ صباح اليوم الخميس ويستمر لمدة 36 ساعة متواصلة حتى الساعات الأولى من صباح بعد غد السبت. فعاليات متنوعة ومختلفة.. موسيقية وتعليمية وأدبية، بمشاركة مصرية وألمانية، تجدون تفاصيلها ومواعيدها هنا:  https://www.goethe.de/ins/eg/ar/sta/kai/ueb/nba/prg.cfm?&wt_sc=egypt_iftitah

إذن، انتقل معهد “جوته” من مقره التاريخي في 5 شارع البستان، من الفيلا الصغيرة التي ظلت من العلامات الثقافية المتميزة ومعلما في وسط البلد على مدى أكثر من ستة عقود تقريبا، استضافت خلالها آلاف الأمسيات الثقافية والفنية، واستغلت كل إمكانيات المبنى ذات الطراز المعماري المتميز في وسط البلد، لإقامة حفلات موسيقية وعروض سينمائية ومسرحية وأمسيات أدبية، وذهب “جوته” إلى مقره بالدقي في مبنى جديد من ثلاثة طوابق بدأت أعمال تصميمه وبنائه منذ عام 2012 واكتمل أخيرا منتصف العام الجاري، بتصميم هندسي مميز يطل بالكامل على حديقة صغيرة وسط عمارات ومباني الدقي، فلماذا الانتقال من وسط البلد وهي المركز الثقافي الأهم في القاهرة؟ وما المختلف الذي سيقدمه المكان الجديد؟ وأسئلة كثيرة أخرى، طرحها فريق “منطقتي” على مدار يومين تجولنا خلالهما في المبنى بالدقي، وأجرينا حوارات مع مديرة المعهد وفريق العمل.

تغيير مكان.. توسيع آفاق

يوهانا كيلر مديرة البرامج الثقافية بمعهد "جوتة"
يوهانا كيلر مديرة البرامج الثقافية بمعهد “جوته”

كما أن الانتقال لمكان جديد يعني بدء حياة جديدة، استغل فريق معهد “جوته” الانتقال كفكرة في صياغة برنامج ثقافي وفني تحت عنوان “تغيير مكان.. توسيع آفاق” كما قالت لنا يوهانا كيلر مديرة البرامج الثقافية بمعهد “جوته” والمشرفة على إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأضافت: “أردنا أن يترافق مع المكان الجديد أنشطة كلها في هذه الإطار، فستكون هناك دروس تجريبة للغة الألمانية، وحوار بين الكاتب والروائي علاء الأسواني وأمين معهد جوته، وقراءات أدبية مختلفة في أكثر من مكان داخل المبنى، ودي جي “إيبك” الألماني، والفنانة المصرية دينا الغريب، وغيرها من الفعاليات”.

وتابعت كيلر: الأرض هنا في الدقي التي أقمنا عليها المقر الجديد لمعهد “جوته” تابعة للمبنى التاريخي المعروف بـ”الفيلا البيضاء” بميدان المساحة والتي كانت تضم فرع “جوته” لقسم اللغة بينما كانت المكتبة ومكاتب الإدارة وبعد الانتهاء من المبنى سيكون لمعهد جوتة مقر واحد في القاهرة يقدم كل الأنشطة المتعلقة بتدريس اللغة الألمانية وكذلك الفعاليات الفنية والأدبية، كما سيضم مكتبة حديثة متطورة. صحيح أن مقر شارع البستان “غالي جدا على قلوبنا” لكننا كنا بحاجة إلى مكان واحد، أكبر من حيث المساحة والإمكانيات التي يوفرها، ونعتقد أن الحكومة الألمانية ستستخدم المقر بشكل مفيد بعد إتمام عملية الانتقال بالكامل، حيث سيظل مكتب مديرة المعهد وبعض المكاتب الإدارية في “البستان” حتى عام 2018. وكذلك بعض الأنشطة ستستمر جزئيا في وسط البلد مثل “أسبوع جوته للأفلام” وبعض ورش العمل.

يوهانا التي تتحدث العربية بطلاقة بلهجة شامية، بدأت العمل في القاهرة مع معهد جوته منذ عام ونصف العام تقريبا، وتحديدا منذ شهر فبراير 2015، قبل ذلك كانت في ليتوانيا، لكنها عملت في معهد جوته بسوريا منذ عام 2006 وأقامت في دمشق أربع سنوات واستكملت دراسة اللغة العربية هناك، لذلك لا تعتبر يوهانا نفسها غريبة على العالم العربي وعلى المشهد الثقافي والفني في مصر، وفي هذا الإطار، تقول يوهانا إن برامج “جوته” المختلفة تسعى إلى بناء علاقات راسخة في مصر وإقامة جسور ثقافية لتبادل المعرفة وتلاقي الفنون، وإلى اكتشاف ورعاية جيل جديد من الفنانين المصريين، ولذلك كان هدفنا الوصول أكبر شريحة من الجمهور المصري وتهيئة المكان الجديد لاستقبال المزيد من الدارسين والمهتمين من مختلف الأعمار والفئات.

مكتبة حديثة

unnamed (7) unnamed (8) unnamed (9)

قادتنا يوهانا في جولة داخل المبنى الجديد بالدقي، الذي صممه “مكتب الهندسة المعمارية” التابع لشركة “فورشيش للهندسة المعمارية والتخطيط” الألمانية، مشيرة إلى أنه بدأ التخطيط لإقامة هذا المبنى في شهر يونيو ٢٠١٢ واستغرقت مدة البناء 4 سنوات انتهت في مايو ٢٠١٦، ولفتت مديرة البرامج الثقافية بمعهد “جوته” إلى المكونات الأساسية التي راعوها في المبنى، بأن يكون مناسبا للأنشطة المختلفة بداية من تدريس اللغة الألمانية وصولا لإقامة العروض المتنوعة، وكذلك المكتبة وهي ليست فقط مكانا لقراءة الكتب المطبوعة، وإنما أيضا للوسائط المتعددة والحديثة، والاشتراك بالمكتبة متاح لكل الجمهور بمبلغ رمزي خمسين جنيها فقط في العام.

وتؤكد يوهنا أن فريق العمل في “جوته” ليس قلقا من تأثير مغادرة منطقة وسط البلد على الجمهور، قائلة: “نحن نثق أن جمهورنا سيتوسع مع المكان الجديد الذي سيتيح إمكانيات أكبر للنشاط، لم تكن متوافرة في مقرنا بوسط البلد، وسنعوض المكان بمحتوى أكثر تنوعا وقوة”.

طراز حداثي بروح عربية

الكه كاشل موني، مدير عام معهد جوتة بمصر
ألكه كاشل موني، مدير عام معهد جوته بمصر

فريق “منطقتي” التقى أيضا د.ألكه كاشل موني، مدير عام معهد جوته بمصر، المدير الإقليمي لمعاهد جوته بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في مكتبها بمقر معهد “جوته” التاريخي في وسط البلد، في البداية قالت “ألكه” إنه كان من الصعب علينا عمليا التواجد في مقرين لـ”جوته” هنا في وسط البلد وفي الدقي، ونحن معهد واحد وفريق واحد، بالإضافة إلى احتياجنا لمكان أكبر من أجل أنشطتنا المختلفة وهذا هو السبب الرئيسي للانتقال، ولما توافرت الإمكانية بعد سنة عام 1990 بالوحدة بين الألمانيتين الشرقية والغربية، توافر مكان جديدة هو “الفيلا البيضاء” وحديقتها بميدان المساحة بالدقي، التي كانت تابعة لحكومة ألمانيا الشرقية وآلت بعد الوحدة إلى ألمانيا الاتحادية، وقمنا بطرح فكرة إقامة مبنى جديد في الحديقة التابعة للفيلا على الشركات الهندسية في ألمانيا، كان من الصعب علينا مغادرة هذا المكان لكن “ما باليد حيلة”، مشيرة إلى أن ما شجع على الانتقال هو أن الدقي ليست بعيدة عن وسط البلد، وستكون هناك فرصة كبيرة لمبنى جديد يوفر إمكانيات رائعة تدعم أنشطتنا وبرامجنا، مثل القاعة الكبيرة لعروض الأفلام والحفلات الموسيقية، والنتيجة ستنعكس بدون شك على جمهورنا بشكل إيجابي.

unnamed (10) unnamed (11)

وأضافت: هناك علاقة تفاعلية بين المكان والنشاط، وكلما كان المكان مناسبا كان النشاط أفضل، ونحن في “جوته” كان لدينا فلسفة خاصة عند تصميم المقر الجديد تقوم على الاستفادة من الحديقة الخاصة بـ”الفيلا البيضاء” والحفاظ عليها، فوجود مكان أخضر في قلب القاهرة شيء رائع وتحتاجه المدينة بشدة، وأعتقد أن تصميم المقر الجديد لجوته مميز جدا ولديه شخصية تجمع بين “المودرن” وأيضا مكونات البناء العربي مثل الحديقة في المنتصف والمشربيات واستغلال الضوء والطاقة الطبيعية بما يخلق حوارا بين الشخص والمكان، وبحيث يكون المبنى مضيفا كريما يرحب بالجمهور.

ترأست ألكه كاشل موني قبل مجيئها إلى القاهرة  قسم الاستراتيجيات بالمقر الرئيسي لمعهد جوته في ميونخ، وكذا مقار معهد جوته بأديس أبابا وأبو ظبي، وهي حاصلة على الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة جورج تاون في واشنطن، وعلى الدكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة برن بسويسرا. وترى موني أن التفاعل مع المبادرات الثقافية المستقلة في مصر أحد أبرز الركائز لعمل معهد جوته في الفترة القادمة بعد تدشين مقره الجديد، واصفة هذه المبادرات بأنها جديدة وشجاعة ونجحت في خلق مناخ مختلف في المشهد الثقافي والفني المصري بقدرتها على التجرب، بما يفتح آفاقا مختلفة للأجيال الجديدة من الفنانين، فالتجريب أساس الفنون.

لافتة في هذا الإطار إلى تجربة مثل سينما “زاوية” التي وفرت للجمهور في القاهرة إمكانية مشاهدة والتعرف على تجارب سينمائية جديدة ومختلفة عن تلك السائدة في دور العرض، وكذلك المبادرات الخاصة بفن الكوميكس التي كشفت عن أفكار عظيمة، وعن كوميكس عربي أصلي وسوبر هيروز مصريين وهكذا.

وعن حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية والعكس، قالت “موني” إن هناك أفكارا ومشروعات كثيرة لزيادة حركة الترجمة والأهم ضمان توزيع وانتشار الكتاب المترجم من الألمانية للعربية، مثل برنامج “ليتركس” الذي اختار العالم العربي محورا للدعم طوال ثلاث سنوات من 2015 حتى 2017، مشيرة إلى أن معهد “جوته” يهتم أيضا في الفترة الحالية بـ”النشر الديجتال” للوصول إلى أكبر عدد من القراء في أكبر عدد من البلدان العربية، وكذلك إلى القارئ العربي المقيم في أوروبا، مؤكدة أن هذا النوع من النشر يمثل مستقبل النشر في العالم، وأضافت “موني”: عقدنا مؤخرا ورشة عمل مع ناشرين من مصر والمغرب لمناقشة ودعم النشر الإلكتروني، والبحث عن طرق مختلفة للخروج بمشروعات معينة، أعرف أن التحدي كبير ولكن هناك خطوات فقط علينا أن نبدأ بها.

بدأت ألكا موني عملها في معهد “جوته” بالقاهرة قبل شهرين فقط، لكنها سبق وعملت في مصر عام 1997 وتؤكد أنها سعيدة بالعودة والعمل في القاهرة من جديدة، قائلة: “أحلم بأن أنجح من خلال عملنا في “جوته” في دعم أكبر لحوار أقوى بين أوروبا ومصر والعالم العربي، فهناك مشكلة كبيرة في الحوار، وهناك أصوات يمينة متطرفة ضد الآخر في أوروبا نتيجة المشكلات الحالية، لكنني أرى أن الاختلافات ليست ضخمة ويمكن تجاوزها فعليا، بحوار مبني على سؤال القيم وليس الجنسية أو الدين والحدود. وعلينا جميعا أن ندعم التفاهم والتقدم للأمام لحل مشكلات الإنسان في العالم كله”.

مقالات ذات صلة

إغلاق