منوعات

تقتل من؟ ..الأزمة الأخلاقية لسيارات القيادة الآلية

تخيل أنك في سيارة آلية ( ذاتية القيادة) ومتجه للاصطدام بمجموعة من المشاة. والخيار الوحيد هو أن تقود فوق جرف.. ماذ ستفعل؟

Qz- أوليفيا جولدهيل

ترجمة دعاء جمال

 

يتناقش الفلاسفة بشأن معضلة أخلاقية مشابهة منذ أعوام، إلا أن النقاش أصبح له تطبيق عملي مع ظهور السيارات ذاتية القيادة، والتي يتوقع أن تصبح شيئاً عادياً في الطرقات خلال الأعوام القادمة.

لكن ستحتاج سيارات “جوجل” ذاتية القيادة “تيسلا”، وغيرها من السيارات المشابهة إلى مناقشة فكرية حول ما يعرف بـ”مشكلة العربة” The Trolley Problem. وفي حالة وجود 5 أشخاص في طريقك وشخص وحيد في طريق اخر فإن الإعدادات الأساسية لتلك السيارات تسمح للسائق بشد عتلة السيارة كي تتجنب الأشخاص الخمسة وتتجه إلى الطريق الذى يوجد به شخص واحد. وهنا نسأل أنفسنا هل يجب أن تقتل شخصا كي تنقذ خمسة اخرين؟

يعتقد الكثيرون أنه يجب عليهم فعل ذلك، إلا أن الغريزة الأخلاقية أكثر تعقيداً وتتدخل فيها سيناريوهات أخرى. على سبيل المثال: أنت تقف على جسر مشاة فوق المسار ويمكنك رؤية سيارة تندفع تجاه خمسة أشخاص. وهناك رجل سمين يقف بجوارك، وتعلم أن وزنه كافي لإيقاف العربة. هل من الأخلاقي أن تدفعه عن الجسر لتنقذ الخمسة أشخاص الاخرين؟

السير إلى الهاوية

عندما سئل أشخاص لا يتسمون بالتفكير الفلسفي عن الطريقة التى يجب أن تتعامل بها السيارات ذاتية القيادة مع موقف يكون موت قائد السيارة أو أحد المشاه حتمياً، اعتقد أغلبهم أن على السيارة أن تكون مبرمجة لتجنب إيذاء المارة، وفقاً لبحث منشور على موقع الأبحاث العلمية أريكسيف (Arxiv) هذا الشهر.

قدم الباحثون وعلى رأسهم جين فرانسوا بونيفون عالمة النفس من مدرسة تولوز للاقتصاد، مجموعة من سيناريوهات الاصطدام لحوالي 900 مشارك. ووجدوا أن 75% من الاشخاص اعتقدوا أن على السيارة دائماً أن تنحرف وتقتل السائق، حتى إذا كان ذلك لإنقاذ شخص واحد.

يعد هذا الحل معقدا عندما يناقش الفلاسفة نظرية الأخلاق، حيث يقودنا إلى حجج تناشد بديهياتنا الأخلاقية وتشير إلى إجابات مختلفة. تؤدي “مشكلة العربة” إلى احتدام النقاش لأنها مثال واضح على التنازع بين واجبنا الأخلاقي ألا نلحق الأذى بأحد، وواجبنا الأخلاقي ألا نرتكب أفعالا سيئة.

ناقشت المدرسة السابقة للأفكار بأن الأفعال الأخلاقية هى ما تسبب السعادة القصوى لأقصى عدد من الأشخاص، نظرية تعرف بالنفعية. بناءاً على هذا التفسير، يجب على السيارة ذاتية القيادة أن تقوم بأي فعل سينقذ أكثر عدد من الأشخاص، بغض النظر عن كونهم ركاب أم مشاة. فإذا كان هناك خمسة أشخاص بداخل سيارة سيقتلون في اصطدام بالحائط، يجب على السيارة ذاتية القيادة أن تستمر حتى وإذا عنى هذا قتل مترجل برىء. قد يبدو المنطق تبسيطي، إلا أن تفاصيل نظرية النفعية، كما وضعها جون ستيوارت ميل، يصعب منازعتها.

من المسئول؟

مع ذلك، فلاسفة آخرون ممن قاموا بقياس مشكلة العربة، جادلوا بأن النفعية مقاربة مجردة، وأن الفعل الأخلاقي الصحيح لا يقيم فقط تبعيات الفعل، لكن أيضاً يأخذ في الاعتبار من المسئول أخلاقياً.

تقول هيلين فرو، أستاذة الفلسفة العملية بجامعة ستوكهولم، ممن أعطت سلسلة من المحاضرات على مشكلة العربة، إن صانعي السيارات ذاتية القيادة عليهم برمجة العربات على حماية المارة الأبرياء، حيث أن من بالسيارة يتحملون المسؤولية الأكبر تجاه أي خطر.

وتقول فرو لـ “كوارتز”:”لدينا إلتزام صارم للغاية بعدم قتل الأشخاص. وإذا قررت ركوب سيارة ذاتية القيادة، فهذا يعني أن هناك درجة من المخاطرة”.

الاخلاقيات بالأخص معقدة عندما يشير نقاش فرو لفعل أخلاقي مختلف عن نظرية النفعية. على سبيل المثال، يمكن لسيارة ذاتية القيادة أن تحتوي على أربعة اشخاص، ربما اثنين منهما أطفال في الكراسي الخلفية. كيف ستتغير الحسابات الاخلاقية؟

إذا كان الركاب من البالغين، فإن فرو تعتقد أن عليهم الموت لتجنب صدم أحد المشاة، لأن البالغين هم من اختاروا تلك السيارة لذلك عليهم المسئولية الأخلاقية.

على الرغم من اعتقاد فراو بأن الأطفال غير مسئولين أخلاقياً، تناقش بأنه ليس جائزاً أخلاقياً قتل شخص لإنقاذ حياة طفلين.

”ومع زيادة عدد الأطفال سيكون مبررا قتل شخص واحد، لكن في حالة وجود عدد كبير من البالغين في سيارة فإننا سنحتاج لإنقاذ الكثير منهم، ربما حافلة كلها من البالغين ستجعل قتل شخص واحد أمراً أخلاقياً”.

من الأفضل ألا نفعل أي شىء

أشفق على مصممي البرنامج المساكين ( وبدون شك المحامين) ممن يحاولوا حل الأمر، لأنه قد يصبح أكثر تعقيداً بكثير. ماذا لو تصرف أحد المشاة بتهور، أو حتى مر أمام السيارة بنية جعلها تنحرف، وبالتالي قتل الركاب؟ ( يا كتاب هوليوود استعدوا لهذا النوع من القصص) حيث أن السيارات ذاتية القيادة لا يمكنها الحكم على نوايا المشاة، ومن الصعب عملياً أن تؤخذ هذه الصغائر الأخلاقية في الاعتبار.

الفلاسفة بعيدون كل البعد عن الحل، ورغم مجموعة الأبحاث التي تناقش كل تفصيلة أخلاقية صغيرة. على سبيل المثال، إنه من غير الأخلاقي أكثر أن تنحرف السيارة فعلياً تجاة أحد المارة أكثر من ألا تفعل شيئاً وتسمح للسيارة بصدم أحدهم؟ رفض وارين كين، استاذ سابق بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، بصراحة فكرة النفعية وبأن الأخلاق يجب أن تحقق أقصى قدر من السعادة. وبدلاً من ذلك، أنه على الإنسان واجب احترام الآخرين، وهكذا فإن الفعل الذي يسبب الأذى بصورة مباشرة ومتعمدة، هو أسوأ أخلاقياً من فعل غير مباشر وإن أدى لأذى.

بالتأكيد، نادراً ما ستكون السيارات في موقف حيث يوجد مسارين للفعل فقط، ويمكن للسيارة إحصاء، بدقة تبلغ 100%، أياً من القرارين سيؤدي للموت. لكن بسيارات ذاتية القيادة كافية في الشارع، فالأمر بعيد عن الاحتمال بأن البرنامج سيكون عليه يوماً ما اتخاذ مثل هذا الخيار بين إيذاء المشاة أو الركاب. أي سيارة ذاتية القيادة يجب عليها ان تكون قادرة على إدراك وموازنة تلك المخاطر.

على مصنعي السيارات ذاتية القيادة أن يكشفوا بعد عن موقفهم بشأن الموضوع. لكن، في ظل عدم توافر إجماع فلسفي، يبدو أنه من غير المرجح أن يجدوا حلاً متقبلاً عالمياً. أما بالنسبة للفلاسفة، سيخبرنا الوقت إذا ما كانوا سيستمتعون باختبار نظرياتهم في العالم الواقعي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق