أخبارسياسة

تحقيق يكشف تجسس أمريكا وألمانيا على أكثر من 100 دولة

بواسطة شركة متخصصة في مجال الحماية الإليكترونية تجسست على اتصالات السادات في "كامب ديفيد"

كشف تحقيق استقصائي موسع لوسائل إعلام غربية، أمس الثلاثاء، عن تجسس وكالة المخابرات الأمريكية “سي آي إيه” ووكالة المخابرات الألمانية على أكثر من 100 دولة بواسطة تجهيزات تابعة لشركة سويسرية متخصصة في مجال الحماية الإليكترونية و تشفير الاتصالات، كانتا تملكانها سرا.

ووصفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية الأمر بأنه “انقلاب القرن الاستخباراتي” وأحد أسرار الحرب الباردة الأكثر كتمانا.

وأوضح التحقيق الذى أعدته “واشنطن بوست” بالتعاون مع التلفزيون الألماني “زد دي إف” ومحطة الإذاعة والتلفزيون السويسرية “إس إر إف”، أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية اشترت في عام 1970 شركة التشفير السويسرية “كريبتو إيه جي” (مقرها في تسوغ) في إطار “شراكة سرية للغاية” مع جهاز المخابرات الألماني “بي إن دي” عن طريق مؤسسة مسجلة في إمارة ليختنشتاين التى توفر ملاذ ضريبيا.

وأشارت “واشنطن بوست” إلى أن مؤسس الشركة هو المخترع الروسي بوريس هاجلين، موضحة أنه تمكن من صنع ماكينة تشفير محمولة عندما هرب إلى الولايات المتحدة إثر الاحتلال النازي للنرويج في الأربعينات، حيث وزعت الأجهزة الصغيرة على 140 ألف جندي أمريكي في ساحات القتال.

وأوضحت الصحيفة أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتقل هاجلين إلى سويسرا، وأصبحت تكنولوجيته متطورة إلى درجة أن الولايات المتحدة خشيت من أنها ستمنعها من التجسس على الحكومات الأخرى.

وتابعت الصحيفة: “لكن خبير فك الشفرات وليام فريدمان أقنع هاجلين بعدم بيع ماكيناته الأكثر تطورا إلا للدول التي توافق عليها الولايات المتحدة، أما الماكينات القديمة التي تقدر المخابرات الأمريكية على فك شفراتها فتباع لبقية الحكومات”.

ووفقًا لواشنطن بوست، فإن الرئيس الراحل أنور السادات عندما كان في منتجع كامب ديفيد خلال محادثات السلام مع إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، تعرض لتنصت من المخابرات الأمريكية على اتصالاته مع المسئولين في القاهرة خلال المفاوضات.

وحصدت الشركة السويسرية على ملايين الدولارات من بيع معدات لأكثر من 120 دولة حول العالم في القرن الحادي والعشرين، من بينهم إيران والجارتين النوويتين الهند وباكستان، ودول في أمريكا اللاتينية.

وأشار التقرير، إلى أن هؤلاء العملاء لم يكونوا على علم أبدًا بأن الشركة مملوكة سرا للمخابرات الأمريكية، وبدورها استطاع الجهاز الحصول على الشفرات الخاصة بالأجهزة الموزعة على دول وحكومات العالم من الشركة السويسرية، واختراق اتصالاتها.

وكانت شركة “كريبتو إيه جي” قد تربعت بعد الحرب العالمية الثانية على عرش قطاع بيع تجهيزات التشفير المحمولة، وقد باعت تجهيزات بـ”ملايين الدولارات” لأكثر من 120 دولة حول العالم من بينها مصر والسعودية والعراق وليبيا والأردن وتركيا وإيران، وفقا لواشنطن بوست.

وأبقي على تشفير التجهيزات التي بيعت إلى حلفاء الولايات المتحدة، أما ما عداها فكان العملاء الأمريكيون قادرين على فك تشفيرها.

وعمدت وكالتا المخابرات الأمريكية والألمانية إلى “التلاعب بتجهيزات الشركة بغية فك الرموز التي كانت البلدان تستخدمها في توجيه رسائلها المشفرة”، وتمكنا بهذه الطريقة من مراقبة أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران في عام 1979، وتزويد بريطانيا معلومات عن الجيش الأرجنتيني إبان حرب جزر فوكلاند، ومتابعة حملات الاغتيال في أمريكا اللاتينية.

وأتاحت هذه الآلية لـ”سي.آي. إيه” امتلاك دليل على تورط ليبيا في تفجير استهدف ملهى ليليا في برلين الغربية عام 1986 ما أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين.

وجاء في تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية يعود لعام 2004، اطلع عليه معدو التحقيق، أن العملية المسماة “تيزوروس” ومن ثم “روبيكون” كانت “ضربة القرن” على صعيد العمل الاستخباراتي.

وأوضح تقرير “سي آي إيه” أن “الحكومات الأجنبية كانت تدفع مبالغ كبيرة للولايات المتحدة وألمانيا الغربية مقابل امتياز التشفير، لكنها كانت في الواقع تدفع لقاء اطلاع دولتين أجنبيتين على الأقل وأحيانا ما يصل إلى ٥ أو ٦ دول على اتصالاتها الأكثر سرية”، في إشارة إلى تحالفهما مع المخابرات البريطانية والأسترالية والكندية والنيوزيلندية.

وعلى مدى عقود، استمع العاملون في جهازي المخابرات (الأمريكي والألماني الغربي) واطلعوا على مئات الآلاف من الرسائل المتبادلة بين الحكومات والسفارات والقيادات العسكرية في جميع أنحاء العالم.

واعتبارا من عام 1970 باتت “سي آي إيه” ووكالة الأمن القومي “تراقبان عمليا كل عمليات كريبتو”، وتتخذان القرارات المتعلقة بالتوظيف والتكنولوجيا والتلاعب بالخوارزميات واستهداف المشترين”.

لكن البرنامج لم يتح التجسس على خصوم رئيسيين للولايات المتحدة ولا سيما الاتحاد السوفيتي والصين لعدم تعاملهما مع “كريبتو”.

وفي عام 1993 باعت “بي ان دي” حصتها في “كريبتو” لتخوفها من عدم اكتفاء واشنطن بالتجسس على خصومها وانسحاب هذا الأمر على حلفائها. ولاحقا أتاح التقدم الذي تحقق في مجال التشفير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية التخلي عن الشركة في عام 2018.

وبعد بيع الشركة انقسمت إلى وحدتين الأولى تعمل لمصلحة الحكومة السويسرية والثانية مكلفة العمليات التجارية الدولية.

وردا على سؤال لوكالة الصحافة الفرنسية أكدت “سي آي إيه” أنها “على علم” بهذا التحقيق من دون الإدلاء بأي تعليق رسمي حول عملياتها.

من جهته أكد المنسق السابق للمخابرات الألمانية برند شميدباور للتلفزيون الألماني “زد دي اف” أن “روبيكون” كانت بالفعل عملية استخباراتية، مشيرا إلى أنها ساهمت في “جعل العالم أكثر أمنا”.

وفي برن، فتحت الحكومة السويسرية تحقيقًا في التقارير التي أفادت بأن شركة “كريبتو” كانت مملوكة سراً من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الألمانية لعقود.

وبحسب ما ورد في التحقيق، فقد كان لدى شركة كريبتو نوعان من منتجات التشفير: أحدهما آمن تمامًا والآخر غير مضمون. وكانت سويسرا واحدة من الدول القليلة التي تم تزويدها بالنسخة الآمنة.

وأفاد برنامج “روندشاو” الإخباري الذي تبثه قناة التلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية (إس أر إف) بأن وزارة الدفاع أطلعت الحكومة أولاً على هذه القضية في نوفمبر الماضي. فتحت الحكومة تحقيقًا رسميًا عقب اجتماعها في 15 يناير الماضى.

واعتبرت الشركة السويدية “كريبتو إنترناشونال” التي اشترت “كريبتو إيه جي” أن التحقيق “يثير القلق” نافية وجود “أي رابط مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز المخابرات الألماني”.

وفي ديسمبر الماضى، علقت السلطات السويسرية رخصة عامة للاستيراد كانت قد منحتها للشركتين اللتين ورثتا “كريبتو إيه جي” وذلك “بانتظار تقديم الإيضاحات اللازمة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق