منوعات

تجاوزت أعمارهن قرنا.. فلسفة الجمال لدى المُعمّرات

مُعمّرات يكشفن ما هو الجمال

the guardian

Arianne Clément

ترجمة وإعداد: ماري مراد

حينما بدأت تصوير هذه القصة، تمنيت الحديث عن أوضاع النساء المسنات بشكل عام، لكن لم يكن لدي أي فكرة واضحة عن الزاوية التي سأركز عليها، فالتقطت صورًا للا شيء وكل شيء يحيط بتلك المعمّرات من منطقة مونترجي في كيبيك بكندا. لكن هناك شيء واحد استمر في الحدوث: كل سيدة صورتها أرادت أن تُعد نفسها لتتأكد من أنها ستبدو جميلة في صوري. هكذا أصبحت قصة عن الجمال.

لقد أصبحت مُهتمة بالجهود التي تبذلها (أو لا تبذلها) تلك النساء ليبدن جميلات، والتحديات التي يواجهنها في شيخوختهن. فسألت بعضهن عن الشباب، والتقدم في العمر، والنسوية، والجنس، والجاذبية، والمظهر، والحب، وسجلت طقوس جمالهن.

كانت زيارة ماري بيرث بكيت -السيدة التي في أول صورة- مشهدًا لا يُصدق. إذ تحب أن تكون مركز الاهتمام ومستعدة لفعل كل شيء تقريبًا لجعل جمهورها ينفجر في الضحك. وفي كل مرة كنت أزورها، كانت تسرد لي قصصًا مضحكة وكانت ترقص وتغني. وفي صورتها، ترقص بطريقة مثيرة من أجل جمهورها (ونفسها واثنين من أفراد العائلة).

ماري بكيت، 105 أعوام، من مونتريال في كيبيك، قالت “أنا شخصيًا أجد نفسي جميلة، وحينما لا أجد نفسي كذلك أبذل قصارى جهدي. أحب أن يكون شعري أنيقًا وأن أرتدي الفساتين والمجوهرات وغيرها من الإكسسوارات. لقد حرصت دائمًا على الاهتمام بمظهري”.

لم تكن بكيت حالة نادرة، إذ أوضحت سولانج راسين، 101 سنة، من جرانبي في كيبيك: “في الواقع أنا أهتم بالجمال اليوم، أكثر مما كنت شابة. أحب ارتداء الفساتين الجميلة والبسيطة والعملية. أضع كريم الأساس والعطر في الصباح، وأحمر الشفاه بعد كل وجبة، وأذهب إلى مصفف الشعر كل أسبوع. وأنا أيضًا حريصة على عدم تناول الطعام الدسم أو الحلو للغاية. من المهم أن لا يهمل الفرد نفسه. كما أنني اعتدت الاستمتاع بالقلائد، لكن لم يعد بإمكاني ربطها”.

بالنسبة إلي (أريان)، فإن الصورة الثالثة مؤثرة بشكل خاص. إذ كانت لور ساوسير، 100 عام، مريضة وضعيفة جدًا، لكنها كانت أيضًا مسالمة وهادئة. لم تكن لديها الطاقة للتحرك أو التحدث، ورغم اعتيادها على أن تكون امرأة أنيقة للغاية لكنني أشك في أنها اهتمت بالشكل الذي كانت تبدو عليه.

ومع أن ساوسير بدت بعيدة عن العالم المادي فإن ابنتها ليز بروفوست استمرت في التأكد من أن أمها بدت جيدة: بداية من أظافرها وشعرها إلى ارتداء مجوهرات ووضع أحمر شفاه. وفعلت هذا نظرًا لأنها كانت تعلم أن هذا كان مهمًا بالنسبة إلى أمها وأرادت تكريمها. ولأنهما لم تتمكنا من التواصل شفهيًا بعد الآن، كانت هذه الطقوس طريقهما للبقاء قريبين من بعضهما.

من خلال هذه اللوحات التي صُورت عام 2016، أريد أن أتساءل عن هوس المجتمع بمقاييس الشباب والجمال، وأن نمنح صوتًا لتلك النساء اللاتي نادرًا ما يُعترف بجمالهن.

وفي حديث ليز بروفوست (على اليمن) عن والدتها ساوسير (على اليسار)، من أكتون فالي بكيبيك، وتوفيت عام 2016، عن عمر ناهز الـ101 عام: “كانت أنيقة للغاية وتنافسية. كانت تحب والدي، وأعتقد بأنها كانت قلقة من عدم كونها جميلة بما فيه الكفاية. كانت دائمًا ما تضع أحمر الشفاه، وأحمر الخدود، وترتدي الكعب العالي، والأقراط، وتضع العطور، وتموج شعرها. وكانت تدهن جسمها بزيت الأطفال وتشتري كريمات مدام آفون لتجديد الشباب. وفي المساء كانت تذهب إلى السرير مع شرائط قطنية ملفوفة تحت ذقنها وأخرى أعلى رأسها، على أمل رفع وشد ذقنها وخديها”.

وتابعت: “رغم أننا أخبرناها باستمرار أنها كانت جميلة، فقد كانت أمي دائما ما تجد نفسها قبيحة. عادة ما كانت تقول إن لديها وجه قرد وأنها لا تحب سمنتها. أمي كانت تتبع نظاما غذائيا بانتظام. وجربت حبوب إنقاص الوزن المختلفة. كانت ترتدي الأحزمة والكورسيهات التي تشتريها من متجر السيدة دينوفيتزر. أعتقد بأن وزنها كان دائما أكبر تركيزها”.

ومن بين المعمرات كانت جانيت بالارد، 100 عام، في جرانبي بكيبيك، التي قالت: “بالتأكيد أجد نفسي قبيحة. الجمال يختفي مع تقدمنا في السن. تصبح أنوفنا وآذننا أكبر، وتتغير مشيتنا، وتنحني ظهورنا. والبعض حالتهم أسوأ مني، لكنني لست جميلة على الإطلاق. مع ذلك، أنا أستمتع بالحياة وأتطلع إلى المستقبل، حتى وإن كانت قصيرة عندما تصل إلى الـ100 عام”.

الجمال الحقيقي من وجهة نظر آن ماري برونوفست -من سوتون بكيبيك وتوفيت في 2017 عن عمر ناهز الـ100 عام- كان الجمال الطبيعي، إذ قالت: “عندما كنت صغيرة كان لدي شعري طويل، وسيقان جميلة. كل السيدات الشابات اليوم يسعين إلى أن يكن نحيفات، لكنني أعتقد بأن الجمال الحقيقي هو الجمال الطبيعي. نحن ما نحن عليه، وهذا كل ما يهم”.

أما مادلين بيوغراند تشامبينادج، من برونو دي مونتارفيل بكيبيك، والتي رحلت في 2017 عن عمر 102 عام، فاعتبرت أن “كلمة الجمال تستحضر مؤلفين فرنسيين كبار، وموسيقى. عندما كنت صغيرة كنت أقرأ دائمًا في الكتب وأكتب. لا أقصد التباهي، لكن الناس كانوا يحسدون مهاراتي في الكتابة. أنا أحب موتسارت كثيراً، لكن بيتهوفن هو الذي يجعل قلبي يغني حقاً”.

وأردفت قائلًا: “عندما كنت شابة، مثل كل النساء، أردت أن أكون جذابة. كنت أجعد شعري، وأرتدي ملابس جميلة صممتها أمي لي وكنت أرتدي الكعب العالي. ومع ذلك، لم أضع مكياجا أبدًا: إذ شعرت كأنه مزيف”. مشيرة إلى أنها تزوجت من شخص لأنه كان وسيمًا لكن الأمر انتهى بندمها، إذ لم يكن شريكًا جيدًا، وهو ما اضطرها لطرده.

وبخصوص رؤيتها للجمال، قالت: “بدلا من الحفاظ على الجمال الطبيعي، وهو عبث، أنصح الشابات بزراعة الجمال الذي يحيط بهن، فيمكنهن الاهتمام بحديقة، أو الرسم، أو تشغيل الموسيقى، إلخ”، متابعة: “من المهم أن تكوني طبيعية ومستقلة وأن تثقفي في نفسك باستمرار”.

ومن جرانبي في كيبيك، قالت سولانج راسين، 101 عام: “كسيدة شابة، لم يكن بوسعي أن أكون طائشة. كنا فقراء وكان علينا العمل طوال الوقت. كانت علينا المشاركة في الأعمال اليومية، وقطف التوت، والعناية بالأطفال، وطهو الطعام، والمساعدة في الحصاد، والقيام بالأعمال المنزلية، واستحمام الأطفال، وكل ذلك دون كهرباء. لم يكن لدينا وقت للتفكير في الجمال”.

وبالنسبة إلى آن ماري برونوفست، 100 عام من ساتون بكيبيك، فللجمال معنى أكثر روحانية: “كان زوجي رجلًا جميلًا جدا. كان لديه شعر مجعد جميل. كان من المهم جدا بالنسبة إليه أن يرتدي دائمًا ملابس جيدة. عندما كان يخرج للعمل في معسكر الخشب، كان يمكن أن يبيع بدلته ويشتري أخرى جديدة عند عودته. من ناحية أخرى، كان مغازلًا ومتقلبًا بعض الشيء: كان يحب جميع النساء ويشرب كثيرًا. لكن من المهم أن تكون قادرًا على الصفح”.

أما إيزابيل غان (يسار)، 103 أعوام، في كليرمونت بكيبيك، فقد كانت ترى الجمال “أمرًا تافهًا بل وخطيئة”: “بالطبع أفضل أن أكون جميلة. لكن عندما كنت صغيرة، لم أكن منشغلة بالجمال. كان أمرًا تافهًا وخطيئة. ما يهم حقا هو الأسرة، ووضع الطعام على المائدة والتأكد من استحمام الأطفال وارتدائهم لملابسهم. أنا محظوظة لأن ابنتي (على اليمين في الصورة) هي التي تهتم بي الآن. رحبت بي في منزلها منذ عشرين عاما وأنا ما زلت هناك. العائلة هي كل ما يهم حقا”.

وكشفت أليدا بروفوست -من جرانبي في كيبيك وتوفيت في 2016- كيف كانت تعتني بجمالها، فقالت: “أنا شخصية عاقلة ورصينة، لست سريعة التأثر جدًا بالجمال أو الفن. لقد جئت من عائلة فقيرة جدًا. كان إنفاق المال على مصفف الشعر أو على ملحقات الجمال غير الضرورية أمراً غير وارد على الإطلاق. كنت أخيط فقط بحكم الضرورة. على سبيل المثال، فصلت فساتين لشقيقاتي باستخدام أكياس القطن التي استخدمت لتخزين السكر. ومع ذلك، فقد كنت دائماً أمنح شعري اهتماما خاصًا”.

وأخيرا، كانت لماري بيرثي باكيت، 102 عام من مونتريال في كيبيك، رؤية مميزة للجمال: “كان والدي رسامًا وحرفيًا وكان يشاركني حبه للفن. أعتقد بأن كل ما هو فني جميل: المسرح، وإطارات الصور، والقصائد، واللوحات، والزهور، والأغاني. أما بالنسبة إلى الشخص، فما يهم هو الشخصية والمظهر والابتسامة والعيون. مع ذلك، فإن أسفي الأكبر هو عدم الحصول على التعليم، فالأبواب تُفتح لك عندما تتعلم. وإلا فإنك تشعر بالخجل. وبغض النظر عن الوضع فإنني أنصح النساء الشابات بتعليم أنفسهن”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق