سياسة

تايم: “سيناء المعزولة” في حرب مصر ضد داعش

تايم:  معركة دائرة  للسيطرة على الموجات الهوائية في سيناء

تايم – ياريد مالسين – ترجمة: محمد الصباغ

يعاني سكان منطقة سيناء المضطربة من انقطاعات في الاتصالات والإنترنت خلال المعركة ضد المسلحين الإسلاميين.

كجزء من الحرب الدائرة ضد المسلحين الإسلاميين التابعين حالياً لتنظيم الدولة الإسلامية، تقوم السلطات المصرية على نحو دوري بقطع خدمات الهواتف والإنترنت في أجزاء من منطقة شمال سيناء على مدار عامين، وفي بعض الأوقات يتم عزل مدن من الاتصال مع العالم الخارجي.

قطع الاتصالات تعتبر أحد أبرز ما يدل يدل على حدة الحملة العسكرية التي تقوم بها مصر حالياً في سيناء، حيث قتل المئات من الأشخاص خلال العامين ونصف العام الماضيين في هجمات قام بها كلاً من المتمردين وقوات الأمن.

تعتبر تلك الانقطاعات محاولة واضحة من الدولة لتقويض عمليات المتمردين ومنعهم من استخدام الأجهزة اللاسلكية في التحكم في تفجير القنابل المصنوعة يدوياً، التي استخدمت لقتل أشخاص من قوات الأمن. لكن المدنيين الذين يعيشون في سيناء قالوا إن تلك الانقطاعات تشل الحياة الطبيعية والخدمات الحيوية مثل البنوك سيارات الإسعاف. ويساعد ذلك بشكل متقطع في عدم وجود معلومات عن أهالي سيناء، وأيضاً في حجب الواقع القاسي للصراع عن من هم خارج سيناء، ومن بينهم الإعلام. كما تحدث تلك الانقطاعات تقريباً دون أي ذكر للأمر في وسائل الإعلام الدولية.

يرى مناصرون لحقوق الإنسان أن تلك الانقطاعات أحد مظاهر سياسة العقاب الجماعي للمدنيين في سيناء، التي تشمل التعذيب، وهدم المنازل والترحيل الإجباري. مع ذلك تبقى الانقطاعات أقل تدميراً من العمليات العسكرية أو الاجراءات الأخرى، ويقول خبراء وأهالي من سيناء إن خطة قطع الاتصالات تخلق بؤساً بين المدنيين في المنطقة، أكثر مما تقوم به من إضعاف للمتمردين الذين من المفترض أن القوات المصرية تحاربهم.

يقول الناشط الحقوقي معمر السواركة –يعيش في مدينة الشيخ زويد بشمال سيناء: ”مؤخراً يتم قطع الاتصالات منذ الصباح وحتى الغروب، وأحياناً حتى منتصف الليل.“ ويضيف ”بالأساس تكون تلك الانقطاعات بسبب الحملات ولمنع التحركات الجهادية والمسلحة في سيناء. خدمات الانترنت منقطعة ولا يوجد حياة.“

حتى المدنيين في سيناء يعانون من الانقطاعات، وهناك دليل واضح على أن المتمردين استطاعوا التكيف مع انقطاع الاتصالات من خلال استخدام أجهزة لاسلكية للإرسال والاستقبال ومن المحتمل أيضاً استخدامهم لهواتف تعمل بالأقمار الصناعية، وفقاً لما ذكره محللون وتقارير إخبارية. ونتيجة لذلك، فتح انقطاع الاتصالات جبهة أخرى من الصراع بين السلطات والمسلحين، معركة السيطرة على الموجات الهوائية.

يقول الخبير بمركز التقدم الأمريكي بواشنطن، مختار عوض: ”يعطي ذلك فكرة حول الموقف وكيف أنه ليس بذلك الاستقرار المستمر.“ و أضاف ”يقضون اوقاتاً شديدة الصعوبة في مراقبة هؤلاء الأشخاص الذين بعد أربعة سنوات –أكثر من ثلاثة سنوات ونصف من العمليات أو التواجد النشط- ينفذون فن الاختفاء عن الأنظار بشكل مثالي.“

مع حملتها ضد التمرد الرقمي، حاولت قوات الأمن أن تعترض تهريب أجهزة ”اللاسلكي“ ووسائل ومعدات الاتصال الأخرى في شمال سيناء، كما تفعل تماماً مع تهريب الأسلحة وقدوم المسلحين. في مارس، ضبط الجيش عشرات من الهوائيات التي تستخدم في نقل المعلومات لاسلكياً لمدى طويل، وضبطت أيضاً معدات أخرى قيل إن المهربين حاولوا إدخالها عبر أنفاق من قطاع غزة. هذه المعدات، المتاحة تجارياً في الولايات المتحدة، تستخدم إشارة قوتها 5 جيجاهرتز، وهو النوع الشائع استخدامه في أجهزة الواي فاي، ومداه قد يصل إلى 100 كيلومتر أو أكثر، مما يعني الوصول بعيداً في عمق الصحراء.

في فبراير، أعلن المسؤولون عن ضبط شحنة غير قانونية عبارة عن 568 جهاز لاسلكي مصممة ليستخدمها الشرطة، وفقاً لوثيقة جمركية نشرها موقع أصوات مصرية. وكانت المعدات بداخل حاوية كان من المفترض أن تحتوي على لعب أطفال.

قال العديد من سكان سيناء في لقاءات معهم إن انقطاع الاتصالات بدأ في بدايات عام 2013، أي تقريباً مع بدايات التمرد في سيناء الذي توسع بعد إطاحة الجيش بالرئيس الإسلامي محمد مرسي. وبعد سنوات من الإهمال الحكومة، أصبحت سيناء أرضاً للمتشددين. تسارعت هجمات المتمردين فترة فراغ السلطة عقب الإطاحة بالمستبد حسني مبارك خلال انتفاضة 2011. وبشكل درامي ازداد معدل ومساحة الهجمات في أعقاب إبعاد مرسي ومع حملات الدولة الأمنية ضد المجموعات الإسلامية.

وأنذر التمرد بالأسوأ مع قيام جماعة متشددة ،أنصار بيت المقدس، في نوفمبر 2014 بإعلان تحالفها مع تنظيم الدولة الإسلامية، وبعد أشهر قليلة من إعلان الخلافة المزعومة في مناطق كبيرة من سوريا والعراق. ومنذ ذلك الحينقام المسلحون الذين يطلقن على تنظيمهم ”ولاية سيناء“ بتصعيد حملتهم ضد الحكومة، ونفذوا هجمات متكررة ضد القوى الأمنية في سيناء، والقاهرة ومناطق أخرى في الدولة.

في الصيف الماضي قام المتشددين بتفجير مبنى مديرية أمن القاهرة، وأسفر ذلك عن إصابة 29 شخص، كما قاموا باغتيال النائب العام المصري بتفجير سيارته في وضح النهار بالقاهرة (العملية التي تحملت مسؤوليتها جماعة متشددة منفصلة يقودها ضابط جيش سابق). كما زعمت ولاية سيناء أيضاً مسؤوليتها عن ذبح كرواتي، وإطلاق صاروخ نحو قطعة بحرية مصرية في البحر المتوسط. وفي الأول من يوليو أيضاً بدأ الجهاديون اعتداء منظم على مواقع عسكرية، أدى إلى معركة خلّفت 17 قتيلاً من قوات الأمن وأكثر من 100 مسلح، وفقاً لما ذكرته القوات المسلحة المصرية.

كما زعم التنظيم أيضاً مسؤوليته عن إسقاط الطائرة الروسية التي تحطمت في سيناء وقتل في الحادث 224 شخص في 31 أكتوبر الماضي. فيما أصرت الحكومة المصرية على أنها لم تجد أي دليل على أن الحطام جاء نتيجة هجوم، مما وضع القاهرة في تناقض مع ما توصلت إليه أجهزة الامن الروسية، التي قالت إن الطائرة تم تفخيخها. مثّلت تلك العملية تصعيداً آخر من مجموعة سيناء، في إشارة إلى تطلعهم نحو التسبب في خسائر مدنية كبيرة.

خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، بدأ الجيش المصري هجوم في شمال سيناء، وزعم مقتل أكثر من 400 متشدد، على الرغم من أن تلك الأرقام تقريباً من المستحيل التحقق منها لأن الصحفيين من الخارج بالأساس محظورين من دخول مسرح الصراع. ومؤخراً، تراجعت هجمات المتشددين لكنها لم تنتهي. في آواخر شهر نوفمبر، هاجم متشددون فندق بشمال سيناء وقتلوا سبعة أشخاص بينهم إثنين من القضاة كانوا يشرفون على سير انتخابات البرلمان.

ومع اشتداد القتال، أصبح انقطاع الاتصالات أكثر تكراراً، ومختلفاً في الفترات والمنطق الجغرافية. ففي المناطق القريبة من إسرائيل وقطاع غزة، مثل الشيخ زويد ورفح، تحدث الانقطاعات بشكل شبه يومي، ويتم تعطيل شبكات الهواتف المحمولة والأرضية والإنترنت، بداية من الصباح وحتى الليل، وفقاص للسكان والخبراء. وفي مدينة العريش، يقول السكان إن الانقطاعات تكون بمعدل أقل حالياً، لكن مازالت تؤثر على المدينة في مناسبات عديدة.

فيما قال العميد محمد سمير، المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية، إنه لا يستطيع التعقيب على الانقطاعات لأنها ”لا تقوم بها القوات المسلحة.“ وألقى بمسؤولية الإجابة على تلك الأسئلة على مكتب رئاسة الوزراء الذي رفض التعليق أيضاً.

لكن مبرر قيام قوات الأمن الواضح لقطع الاتثالات ظهر في عدة مناسبات. فقال أحد المسؤولين الأمنيين لمصر العربية إن الانقطاع الذي استمر لمدة  12 ساعة في 30 نوفمبر كان يهدف إلى منع تفجير القنابل بدائية الصنع وتعطيل الاتثالات بين الجماعات المتشددة.

ووفقاً لرامي رؤوف، الخبير التقني الذي يعيش بالقاهرة، وإن تلك الانقطاعات من المرجح أنها تتم مباشرة من الدولة ولا تحتاج إلى التعاون مع شركات الاتصالات المحلية، بسبب السلطات الواسعة الممنوحة لقوات الجيش والشرطة في سيناء. وقال ”في سيناء لا يحتاجون إلى التنسيق. يمتلكون الأدوات لذا فهم فقط يقومون بفعل ذلك.“

كما لم يرد كل من وزارة الداخلية وشركة تي إي داتا وفودافون مصر التعليق على الأسئلة حول الأمر.

في المدن والقرى بين العريش والحدود، دمرت الانقطاعات الحياة اليومية، وعطلت كل شئ من البنوك إلى المكاتب الحكومية. وقال أحد الأشخاص الذي تحدث بشرط عدم الإفصاح عن هويته، وهو أحد سكان المنطقة الحدودية: ”عندما يقطعون الإتصالات، يقطعون كل شئ.“

كما يقول الخبراء والمواطنون إن قطع الاتصالات قد يعود بالضرر على الحكومة وذلك بمنع السكان المحليين من مساعدة قوات الأمن من خلال إرسال المعلومات إلى الجيش –وخصوصاً بعدما بدا أن المتشددين أنفسهم قد تعاملوا مع الانقطاعات. وأضافوا أن عرقلة الخدمات الطبية والطارئة من خلال قطع الاتصالات قد يعرض الأرواح للخطر.

وقال رؤوف:”يفعلون ذلك بشكل عشوائي. يمكنهم تعطيل المكالمات الهاتفية عدا سيارات الإسعاف، على سبيل المثال. لا يمنع ذلك الأشرار من ممارسة شرورهم.“

كما تغلب سكان سيناء على ذلك باستخدام شبكات هواتف المحمول من إسرائل وغزة. ووفقاً لزاك جولد، الزميل بالمجلس الأطلسي، فتلك الشبكات أصبحت نقطة خلاف بين مصر وإسرائيا. وأضاف ”هي شئ يشكو منه المصريين أمام الإسرائيليين، حول موجات شبكات الهواتف المحمولة، التي تدخل إلى مناطقهم.“

وقالت منظمات مطلعة على الأوضاع إن الانقطاعات هي جزء من شبكة أكبر من الانتهاكات التي تقوم بها السلطات المصرية بحق سيناء. مؤخراً، قامت الدولة بترجيل على الأقل 3200 أسرة في سياسة تهدف إلى تدمير المنازل القريبة من حدود مصر مع قطاع غزة، وفقاً لتقرير من 84 صفحة لمنظمة هيومان رايتس ووتش في سبتمبر. فيما قالت الحكومة إن عمليات الهدم ضرورية لإنهاء تهريب المتشددين للأسلحة والأفراد من خلال الأنفاق بين سيناء وغزة. وردت رايتس ووتش على ذلك بأن الأسلحة التي في أيدي متمردي سيناء حالياً في الأغلب تم تهريبها من ليبيا.

بينما ربط بعض السكان تعطيل الاتصالات في سيناء بما يقولون إنه سياسة طويلة من الإهمال للمنطقة. لفترة طويلة تم منع أفراد المجتمع البدوي من الالتحاق بالجيش وأغلب القوى الأمنية، الحقيقة التي تؤدي إلى أنهم بلا معاشات أو فرص في الاقتصاد المصري الذي يهيمن عليه الجيش بشدة. كما يقول البدو إنهم قد تم إغفالهم من الاقتصاد المصري الرسمي، مع تطوير المنتجعات الصناعات مثل الأسمنت، مفضلين مصريو ”الأرض الرئيسية“ من وادي النيل. كما اشتكى سكان سيناء أيضاً من انقطاع الكهرباء والمياه، وأيضاً حظر التجوال الذي يبقيهم في منازلهم مع حلول الخامسة أو الرابعة مساءً.

كما تسبب الانقطاع الدوري في للاتصالات بشمال سيناء في وضع عراقيل أمام الصحفيين والمحللين والمنظمات الحقوقية، وأي شخص يسعى للوصول إلى حقائق عن الوضع في سيناء. ومع منع الحكومة للصحفيين الأجانب من الدخول إلى المنطقة، تعد الهواتف والإنترنت شريان الاتصال الوحيد بالخارج. كما يخضى أيضاً السكان من اليد الطولى لكل من الجيش والمتشددين، ويترددون في الحديث بحرية. ونتيجة لذلك، من الصعب التأكد من حقائق المعارك والتفجيرات. ومن الصعب معرفة الخسائر من المدنيين والتحقق أصعب.

ومع عدم وجود المعلومات الواضحة،فقط الأصوات المستمرة هي التي تسمع. وعادة الأصوات الاكثر تشدداً. يشمل ذلك مؤيدو تنظيم الدولة الذين ينشرون يومياً دعايا إعلامية بالرغم من انقطاع الاتصالات، وذلك بالتغلب على الانقطاعات أو بمساعدة إعلامية خارجية، من المحتمل ان تكون من تنظيم داعش. ويقول مختار عوض: ”عندما تقوم بالحد من تدفق المعلومات، فالأشخاص القلائل القادرون على التغلب على ذلك هم بشكل واضح الأكثر تفانياً وعلى الأقل قد يمتلكون أهدافاً.“ عادة ما تتسرب رسالة الجهاديين، مع غياب أصوات الأشخاص العاديين.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق