اقتصادمجتمع

بلومبيرج: “فرح بلا عروسة”.. ابتكار مصري لمكافحة الفقر

 بلومبيرج:   ظاهرة “فرح بلا عروس” تتزايد في مصر لجلب تمويل بعيدا عن البنوك

Bloomberg- أحمد فتيحة

ترجمة دعاء جمال

شرب الجميع الخمر، ودخنوا الحشيش، وأتمت الراقصات الخمس دورانهن في المكان.. عندها كان العريس قد جمع 16 ألف دولار واصفا فرحه بـ”المربح”.

لم تكن العروس موجودة في الفرح لكن لا يهم. يقول العريس محمد، تاجر أثاث مستعمل: “يقيم البعض الأفراح ليحتفل، بينما يعتبرها آخرون تجارة”. كان الفرح جزءاً من سلسلة مستمرة من مناسبات جمع التمويل التى ينظمها سكان منطقته، وهم مجموعة من مئات الأصدقاء والأقارب. فى أحد  الأيام، دفع أحمد  المال لأحد أعضاء المجموعة، واليوم جاء دور أحمد ليحصل على المال.

كل ذلك يعد جزءا من الاقتصاد غير الرسمى الواسع في مصر، الذى يمثل حوالى 40% من إجمالى الناتج المحلى للبلاد. ويعاني ربع سكان مصر (87 مليون نسمة) من الفقر، وبالتالي تقدم أفراح الشوارع كالتي أقامها محمد، بالإضافة إلى عدد كبير من الوسائل المشابهة، طريقة لتوفير الأموال للمصريين الذين نادرا ما تطأ أقدامهم أفرع البنوك في مصر.

جمع المال من خلال تلك المناسبات يرجع إلى أنشطة قديمة لادخار الأموال استخدمها المصريون وغيرهم من شعوب الدول النامية لسنوات. أحياناً يكون الزفاف حقيقياً ويقدم الحاضرون المال كمساعدة للزوجين الشابين في بداية حياتهما الجديدة.

فى أوقات أخري، تظهر الحفلات المشابهه للأفراح، وتكون بلا مراسم فعلية، وتستخدم كوسيلة للتمويل المتبادل. ورغم ذلك فإن أكثر الأشكال الشائعة تكون عندما تجتمع العائلة والأصدقاء لجمع الأموال دون احتفالات. وتلك الأنواع الثلاثة في ازدهار مستمر.

فجوة الميزانية

إدماج تلك المعاملات المالية في المجال الرسمي هو التحدي الرئيسي الذى يواجهه الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث يسعى لتوسيع قاعدة الضرائب، وتقليص واحدة من أكثر ميزانيات المنطقة تضخماً وإعادة إحياء اقتصاد ضربته الاضطرابات السياسية بعد انتفاضة أطاحت بحسنى مبارك في 2011. هذا ليس سهلا.

تقول فائقة الرفاعي، وكيل سابق في البنك المركزى المصرى: ” التعامل مع البنوك يحمل العديد من المتطلبات التى لا تتماشى مع طبيعة الاقتصاد المصرى، غالبية الناس لديهم دخل ضئيل للغاية بينما أولئك ممن لديهم دخل لائق ليس لديهم توثيق له”.

يندرج محمد ضمن الفئة الثانية حيث عمله فى مجال الأثاث يسير بشكل جيد، لكنه يديره من شقة ولا يدفع أي ضرائب. محاولته الوحيدة للحصول على قرض بنكي فشلت لأن البنك طلب ضمانات، بالإضافة إلى معدل الفائدة الذى كان مرتفعا للغاية. لذا، قرر الاستفادة من شبكة العائلة والأصدقاء.

أقيمت “فراشة” كبيرة للزفاف وأغلق الشارع، وعند دخول ضيوف محمد إلى الفرح يستقبلهم المنظم من على المنصة بالتحيات الحارة.

بعد تقديم الأطباق الشهية، يعتلي كل من الضيوف المنصة لتقديم مساهمته المالية نقداً، بينما يحصي اثنان من زملاء محمد المال ويسجلونه فى دفتر.

يعتمد النظام على الصلات الشخصية والثقة. وإذا لم يساهم محمد فى مناسبات من حضروا زفافه، فإن سمعته ستتضرر كثيرا، وقد يحدث ما هو أسوأ من ذلك. ويقول: “الناس ممكن تتقتل” في إشارة إلى هؤلاء الذين فشلوا في دفع ما عليهم.

قناة السويس

ظهرت كميات من الأموال خارج النظام البنكي المصري خلال العام الماضي عندما باعت الحكومة 64 مليون جنيه فى هيئة شهادات إيداع محلية لتمويل مشروع قناة السويس الموازية. وكما قال هشام رزق، محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت، فإن حوالى 42% من أموال تلك الشهادات جاءت من “أموال تحت البلاط”.

“البنوك وتلك الأشياء ليست لنا. ما يهم هو حب الناس”

تقول فائقة :”معدل الفائدة المرتفع للشهادات والبالغ 12%، قد يكون ما حفز الناس على بيع أملاك وأصول، ومع ذلك، كمية جيدة من الأموال يجب أن تكون جاءت من أشخاص لا يرون أي فائدة من امتلاك حساب بنكى فى المقام الأول”.

أغلب المال يذهب للمشتروات. وهناك فقط 2.5 مليون بطاقة إئتمانية و7300 ماكينة صراف آلى فى مصر، وفقاً لبيانات البنك المركزى.

تفضل البنوك المصرية الإقراض للشركات الكبرى، وشريحة ضئيلة من المجتمع. بعد انتفاضة 2011، بدأت الحكومة بالاقتراض بكثرة من البنوك المحلية لتغطية العجز المتنامى فى الميزانية. ويعني ذلك أن نسبة القروض إلى الودائع عبر كل البنوك سقطت من 50% إلى 41 فى 2014.

الزفاف الحقيقى

يقول عمرو عدلى، الباحث فى مركز كارنيجى للشرق الأوسط ، إن الاقتصاد غير الرسمى يغطي شريحة ضخمة من المجتمع. تتضمن الباعة المتجولين ممن يبيعون كل شىء من بخاخ الفلفل إلى ملاءات السرير، وأيضاً عربات تنقل الركاب حول أنحاء القاهرة الفقيرة. والأمر يمتد أيضا إلى الشركات المدرجة.

ويوضح عدلى أنه فى مجال الإنشاءات، على سبيل المثال، تعمل أغلب الشركات الكبرى بنظام التعاقد من الباطن مع الشركات الصغرى والمتوسطة. وفى دراسة لمنظمة العمالة الدولية قدرت أن نحو 90% من الشباب العامل فى مصر يعمل في قطاعات غير رسمية.

فى مثل تلك البيئة، ترتيبات مثل زفاف محمد تكون أحياناً أفضل طريقة ليس فقط للنجاة، لكن أيضاً للتقدم. ويعتقد الاقتصاديون أن النمو الحقيقي سيظل معطلا طالما لم يتغير هذا الوضع، حيث ستبقى العلاقات التجارية القائمة على القرابة والجيرة أقوى.

يقول محمد:”البنوك ومثل تلك الأشياء ليست لنا. ما يهم هو حب الناس. إذا عرفك الناس ووثقوا بك، يمكنك جمع كل المال الذى تريده”. وأقام محمد زفافه الحقيقة بعد أيام أمام مجموعة صغيرة من الأصدقاء والعائلة. وكانت العروس هذه المرة بين الحضور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق