اقتصادمنوعات

المهنة: عروسة بحر

إذا رأيت زعانف أسماك في كل مكان، لا تقلق .. أنت لا تتخيل أشياء لا وجود لها.

mermid

فاست كومباني – إليزبيث سيجران

ترجمة – محمد عيد بلبع

ليس من السهل على المرء أن يصبح “حورية بحر”، فقط اسأل ريتشيل سميث حورية البحر الرئيسية في “حانة الغطسDive Bar”، وهي عبارة عن صالة ضخمة في وسط مدينة سكرامنتو، حيث تؤدي “ريتشيل” بمصاحبة عشرات من حوريات البحر المحترفات كل ليلة عروضا ممتعة، للترفيه عن روّاد المكان، في حوض مائي بعمق 40 قدم مليء بالأسماك التي تسبح في 7500 جالون من المياه المالحة.

وفي حين أن ريتشيل، التي تعمل في “حانة الغطس” منذ افتتاحها في يناير 2011، تصف وظيفتها بأنها بمثابة “حُلم أصبح حقيقة”، إلا أنها تلفت الانتباه إلى أن ” كون المرء يجعل من نفسه مخلوقًا مائيًا أسطوريًا وسيلة لكسب العيش لهو أمر مليء بالتحديات”.

تقول ريتشيل: “الأمر في غاية الصعوبة، إلا أنني لا أعتقد أن الناس يتفهمون ذلك، لأننا دائمًا ما نريد أن يبدو الأمر للمشاهدين سهلا وبسيطا، ولكن حقيقة الأمر أن سيقاننا تكون مربوطة معًا، والأسماك تهاجمنا من كل اتجاه، والأجواء مظلمة. إضافة إلى أن وزن الزعنفة التي نرتديها يصل إلى 35 رطلا، ولكن المياه المالحة تجعلنا نطفو، كما يوجد من 5 إلى 10 أرطال أخرى للرباط الذي بين أرجلنا، كما أن التحكم في الحركة يكون من منطقة الخصر بشكل أساسي، لذلك فإن عضلات البطن تعمل طوال فترة السباحة داخل الحوض”.

وبقدر صعوبة العمل، كان هناك إقبال كبير على هذا المجال من قِبَل حوريات البحر المحترفات، ويأتي ذلك نتيجة للطلب الشعبي الكبير على هذا النوع من الترفيه، حيث يوجد الآن ما يقرب من 1000 حورية بحر محترفة تعمل بدوام كامل في الولايات المتحدة، وفقًا لتقديرات العديد من الخبراء في هذا المجال. وتمضي حوريات البحر وقتها مرتدية زعانفها البرّاقة بينما تؤدي بعض الفقرات الاستعراضية للجمهور تحت الماء بشكل يبعث البهجة والسرور على وجوه الأطفال تحديدًا، وذلك من خلال القيام ببعض الحركات مثل الظهور المفاجئ تحت الماء. وإذا كانت لديك رغبة في حجز إحدى حوريات البحر لمناسبة خاصة بك، يمكنك العثور على إحداهن بالقرب منك من خلال البحث في دليل حوريات البحر. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، بدأت اجتماعات حوريات البحر تظهر في مختلف أنحاء البلاد، حيث تجذب مئات من العارضات، وكان آخرها في شهر يناير الماضي، حيث حضره حوالي 650 عارضة من حوريات البحر.

mermid2

ويزدهر اقتصاد حوريات البحر بشكل ملحوظ، حيث يعتمد على مجموعة من الشركات التي تعمل على صناعة زعانف الأسماك للأطفال والكبار لارتدائها وقت ممارسة السباحة، فتمنحهم بذلك الفرصة لأن يعيشوا حُلم أن تصبح حورية بحر. وفي تصريح لشركة “Fin Fun”، إحدى أكبر العلامات التجارية في هذه السوق، ذكرت أنها تبيع حاليًا ما يقرب من 50 ألف زعنفة في الشهر، في حين يمكن لشركة “Mertailor” أن تُفصِّل زعانف حسب الطلب لحوريات البحر المحترفات في غضون أيام.

كما يتم الآن عقد دورات تدريبية لحوريات البحر تساعدهم على استخدام الخصر في السباحة بدلاً من الأرجل. أما خارج المياه، فإن أدوات حوريات البحر تنفد من على أرفف محلات لعب الأطفال بشكل سريع، حيث صرَّح بعض زبائن محلات “Paper Source” أنهم يشترون كميات من المطبوعات الفنية لحوريات البحر، ودعوات حفلات أعياد الميلاد، والملصقات، ويخزنونها لتلبية الطلب المستقبلي المتزايد.

mermid4

ومن المؤكد أن الاهتمام بحوريات البحر ليس بالشيء الجديد، حيث اقتبس “جورج كارباتي”، صاحب “حانة الغطسDive Bar”، الفكرة من عروض السباحة في الخمسينيات أثناء تصميمه لصالة العرض الخاصة به من وحي حوريات البحر، وكان مصدر إلهامه أماكن تعمل في هذا المجال مثل “ويكي ويتشي” بخليج فلوريدا الذي تم افتتاحه في عام 1947 حيث يشاهد الزائرون حوريات البحر يؤدين عروضهن “الأمر الذي كان يُعد أكثر إنسانية من مشاهدة عروض الدلافين المحبوسة”.

وتقول “ريتشيل سميث” أن رواد “حانة الغطس” الجُدُد في الأغلب ليسوا على دراية كافية بما يمكن توقعه من زيارة الحانة، فهم يتساءلون عما إذا كانت حانة للعاريات. ولكن في الحقيقة العروض تكون بريئة جدًا، فحوريات البحر تقوم بأداء بعض الحِيَل تحت الماء، أحيانًا باستخدام بعض الأدوات المساعدة، مثل تمشيط شعرهن بفرشاة الشعر على شكل شوكة، المستوحاة من فيلم ديزني الشهير “The Little Mermaid”، واستخدام الفقاقيع لرسم قلوب في المياه، أو كما تفعل حورية البحر ستيفاني حيث تُقلِّب الزجاجات تحت المياه مثلما يفعل النادل في الحانات. وتتمنى ريتشيل أن يخرج الزبائن الذين تراودهم أفكار سيئة حول ما سوف يشاهدونه في حوض السباحة وبداخلهم شعور بالإثارة والمتعة، حيث تقول: أريدهم أن يفكروا على هذا النحو “ليس هذا ما كنت أتوقع، إلا أنه جميل حقًا وممتع”.

وقد تم تدريب “ريتشيل سميث” وثلاث من حوريات البحر القدامى في “حانة الغطسDive Bar” على يد “ليندن وولبرت” المقيمة في لوس أنجلوس، والتي تعتبر إحدى رائدات حوريات البحر المحترفات. حيث بدأت عملها كحورية بحر محترفة منذ 10 سنوات عندما كانت عروض حوريات البحر أمرا نادرا نوعًا ما.وبعد أن أمضت حياتها مهووسة بالمياه، قررت وولبرت المخاطرة في عام 2005، بعد إنهاء دراستها الجامعية، وبدأت في السعي نحو الحصول على عمل كحورية بحر بدوام كامل. ثم انتقلت مرة أخرى إلى منزل أسرتها حيث عكفت على وضع قائمة بالعملاء، وعملت لمدة سبعة أشهر مع فنانين في مجال المؤثرات الخاصة لصنع زعنفة من السيليكون. وتقول وولبرت “أن كل هذا سبق وجود أي شيء يدعى حورية البحر في السوق، فالأمر لم يكن شائعًا على الإطلاق، حيث كنت أفعل فقط ما كنت أعتقد أنه وظيفة ممتعة”.

إلا أنه منذ فترة طويلة، وجدت وولبرت الطلب يتزايد عليها، حيث طُلِبَت لأداء عروض في حفلات عامة، وحفلات الزفاف، والمنتجعات والفنادق. والآن بمتوسط كل عطلة نهاية أسبوع يكون لديها العديد من حفلات أعياد الميلاد للأطفال. وتبذل الكثير من الجهد للحفاظ على التصور الذهني لدى الأطفال بأنها حورية بحر حقيقية، حيث تحرص على أن لا يراها أحد من الأطفال وهي بدون الزعنفة. وتقول وولبرت “أنها تعمل على حماية واقعية شخصيتها بشراسة، فبالنسبة للأطفال هي حورية بحر حقيقية”.

ورغم أنها لا تفصح عن أجرها علنًا، إلا أن معدل الأجر يصل إلى 250 دولار في الساعة في مناسبات الأطفال. ووفقًا لحجم الحدث وعدد الجمهور يمكن لحوريات البحر المحترفات الحصول على أكثر من ذلك. على سبيل المثال، ونظرًا لأن “وولبرت” مقيمة في “لوس أنجلوس” فقد طوَّرت قاعدة عملاء من المشاهير مثل جيسيكا ألبا وجوستين تيمبرليك، حيث يستعينون بها في أداء العروض الترفيهية لضيوف حفلاتهم. وإلى جانب عروض الأداء الترفيهية، يتضمن عمل وولبرت بعض الأنشطة الأخرى، حيث تعمل عارضة لالتقاط الصور تحت الماء، وتقديم استشارات لحوريات البحر الأخريات العاملات في “حانة الغطس” واللاتي يرغبن في تَعلُّم تقنياتها في الأداء، كما أنها تُصوِّر حلقات على موقع YouTube بعنوان “Mermaid Minute”.

وكشخص عَاصَر انتشار ثقافة حوريات البحر لعقد من الزمان، تقول وولبرت إن الانبهار بحوريات البحر كان موجودا دائمًا ولكنه تحت السطح، ويطفو على السطح بين الحين والآخر مع ظهور تغيُّرات ثقافية كبيرة مثل فيلم ديزني الشهير “The Little Mermaid” عام 1989، أو التدفق المفاجئ لروايات المراهقين عن حوريات البحر مثل رواية “Forgive my Fins” عام 2010 وسلسلة روايات “The Syrena Legacy” عام 2012. كما ساهم بعض المشاهير في هذا الاتجاه عام 2012 مثل كيتي بيري وليدي جاجا، وذلك من خلال نشر صور لأنفسهن مرتديات أزياء تشبه حورية البحر. إلا أن وولبرت تؤمن بأن هناك طفرة حقيقية في اقتصاد حوريات البحر على مدار السنوات الخمس الماضية، حيث أن الأعمال التي تركز على حوريات البحر مثل حانات الغطس والعارضات وصناع الزعانف أخذت في الانتشار لتلبية الطلب المتزايد.

فعلى سبيل المثال، تعتبر شركة “Fin Fun”، التي بدأت عملها عام 2010 من خلال صنع زعانف حوريات البحر للبنات الصغار، قصة نجاح حقيقية. حيث بدأ هذا المشروع العائلي في ولاية “إيداهو” عندما قررت الجدة “كارين برونينج” صُنع زعنفة حورية بحر لحفيدتها، وعندما انتهت من صنع هذا النموذج الناجح، فكَّرت في إمكانية وجود سوق لهذا المنتج. وكان أبنائها، الذين يعمل معظمهم في كبرى الشركات العالمية، يرون أن هذه الفكرة مجنونة، حيث ذكر أحد أبنائها “إريك برونينج” أن فكرة صنع زعنفة حورية بحر لَهُو شيءٌ مزعج جدًا بالنسبة له، واعترف بخطأه فيما بعد.

عَرضَت “كارين” الزعانف التي صنعتها على موقع “eBay” وبدأت في بيعها بالدستة. وبحلول عام 2012، قرّر “إريك”، الذي أمضى حياته المهنية يتولى مناصب تنفيذية في شركات “أوريكل” و”ميكرون إليكترونكس”، الانضمام للمشروع العائلي، حيث تقلد منصب المدير التنفيذي. ومنذ ذلك الحين، بدأ معدل النمو يتضاعف. الشهر الماضي، باعت الشركة 50 ألف زعنفة حورية بحر، والتي تتكلف الواحدة منها ما يزيد قليلاً عن 100 دولار، وتظهر مؤشرات المبيعات في تزايد مستمر. ركّز “إريك” بشكل كبير على تطوير تصميمات الزعانف وتسجيل براءات الاختراع الخاصة بها، بجانب صُنع كميات كبيرة من المحتوى الإعلامي للأطفال مثل “الألعاب والفيديوهات والقصص” للزَجّ بهم في عالم حوريات البحر. وفي تصريح له يقول “إريك”: “الأمر أكبر من مجرد بيع منتج معين، فنحن نبيع التجربة والمغامرة، ونعمل من أجل خلق مكان يكون الآباء مطمئنين لوجود أبنائهم فيه”.

mermid1

وتعتبر “إجراءات الأمن والسلامة” من أكبر تحديات شركة “Fin Fun”، يستأنف “إريك”، حيث أن منتجاتنا تقدم تحديدًا للأطفال، ونظرًا لأن أجسامهم ضعيفة بالنسبة لممارسة السباحة، وأن سيقانهم تكون مربوطة معًا داخل زعنفة واحدة، الأمر الذي يمثل خطرا محتملا لغرق أحدهم. وفي كندا، على سبيل المثال، ظهرت إجراءات أمن وسلامة زعانف حوريات البحر مبكرًا هذا الصيف خلال المؤتمر السنوي لجمعية ألبيرتا للعاملين بمجال وسائل الترفيه، حيث قام “إريك برونينج” بتقديم عرضًا مفصلاً حول كيفية استخدام منتجات شركته من زعانف حوريات البحر بشكل آمن، على سبيل المثال: ينبغي أن يكون لدى الأطفال القدرة على السباحة المستمرة لمسافة 25 متر، والثبات في المياه بشكل عمودي لمدة دقيقتين، وبجانب كل هذه الاحتياطات يجب أن يكون تحت إشراف الكبار طوال الوقت. وعلى الرغم من أن شركة “Fin Fun” تعمل بشكل مستمر على تحسين وسائل الأمن والسلامة، إلا أن الزعانف تظل مصدر قلق دائم للآباء والأمهات.

وجدير بالذكر أن الأطفال ليسوا هم الفئة الوحيدة التي تتجه لشراء زعانف حوريات البحر، حيث أن هناك شركة تدعى “Mertailor” تعمل على تفصيل زعانف حوريات البحر وتصنيعها من السليكون والمطاط منذ عام 2006، وأصبحت مكان يتجه إليه الأشخاص الذين يرغبون في العمل كحوريات بحر محترفات. وقد بدأ إريك دوتشارم مؤسس شركة “Mertailor” في تقديم منتجاته لعروض حوريات البحر وللمصممين الذين يرغبون في إدخال حوريات البحر بصورهم التي يلتقطونها للإعلانات والمجلات. ولكن بمرور السنين، بدأ المستهلكون المهووسون بحوريات البحر يطلبون يوميًا من الشركة صُنع زعانف خاصة بهم لاصطحابها إلى حوض السباحة أو المحيط. وتتكلف الزعنفة من 500 دولار إلى 25,000 دولار وأكثر. إلا أن الشركة في سبيلها نحو إطلاق خط إنتاج جديد لزعانف حوريات البحر الجاهزة بسعر أقل يصل إلى 100 دولار، وهو الأمر الذي سوف يفتح المجال أمامها للمنافسة مع شركة “Fin Fun” بشكل مباشر.

وأخيرًا، هناك موجة ثانية من الأعمال تُقدَّم للعملاء الذين اشتروا بالفعل زعانف حوريات البحر. حيث تم افتتاح العديد من مدارس حوريات البحر على مستوى العالم، من هاواي إلى إسبانيا إلى الفلبين، حيث يستطيع العملاء تَعلُّم السباحة داخل زعنفة حورية البحر والحصول على تدريب مُتقَن على هذا الأمر. كما يوجد جمعية دولية لمدربي سباحة حوريات البحر، حيث توفِّر قائمة بأسماء المدربين والمدارس المتاحة لتقديم هذه الدروس. ويبدو أن الاهتمام بسباحة حوريات البحر في تزايد مستمر، وذلك من خلال الدورات التدريبية الجديدة التي تظهر شهريًا. على سبيل المثال، افتتح جودي آن ستيفنسون مركز حوريات البحر للّياقة البدنية، وهي شركة مقرها ولاية ميتشيجان تُقدِّم دروس مصممة خصيصًا لتقوية الخصر. ويقول ستيفنسون: ” كثير من الناس ينجذبون نحو هذه التمارين بسبب حداثة التجربة والقيام بشيء بسيط ولكنه جنوني ومليء بالمرح ..حقيقة الأمر أن الناس تحب حوريات البحر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق