كل شيء عنمجتمع

الفودو… حقائق وأساطير

تحقيق مجلة “تايم” عن مخدر الفودو الذي انتشر في مصر مؤخرا

girl

 انتشر في مصر أخيرا  استخدام نوع من المخدرات المصنّعة، المعروف باسم “الفودو”، في 21 أبريل الماضي نشرت مجلة “تايم” الأمريكية تحقيقا مطولا حول الفودو، متتبعة الآثار الضارة لهذا النوع الجديد من المخدرات، والمشكلات التي تواجه تقنينه.

 

تحقيق: إلزا جراي

ترجمة: إيهاب عبد الحميد

في صبيحة يوم 26 يونيو 2013، وقبل أن تتوجه روني كانون إلى عملها في “صالة ألعاب البِنجو” في مدينة أماريلو بولاية تكساس، شعرت بانقباض. عندما بدأ ابنها جيسي هاي (18 عاما) في تدخين شيء كان يسميه K2 قبل نحو 12 شهرا، ظنت كانون أنه ليس سوى نوع قوي من التبغ يسبب له بعض المتاعب. وقد وبخته، لكن عندما سألته عن ماهيته، قال إنه شيء خفيف” أشبه بماريجوانا قانونية”.

كانت كانون تعرف أن محلات التدخين تبيع K2، فقبلت إجابته- خاصة وأن بعض آثاره بدت لها بالفعل أشبه بآثار تدخين الماريجوانا. كان جيسي يعاني عادة من احمرار في العينين ويبدو عليه الخمول والشرود، مع ذلك فقد كانت هناك علامات أخرى أكثر إثارة للقلق: فابنها الذي كان مرحا بطبعه أصبح سريع الغضب، وعندما احتضنته لاحظت أن رائحته تشبه رائحة “بطارية سالت من الداخل”. ألحت عليه أن يتوقف عن التدخين، لكن الأمور ازدادت سوءا. وذات يوم تعارك جيسي مع أخته الصغرى بسبب “جهاز التحكم عن بعد” وهدد بأذيتها. وعندها شعرت كانون أنها مضطرة إلى طرده من المنزل.

في الأسبوع الأخير من يونيو، وبعد أن وعدها بأنه سيكف عن تعاطي الـ K2، ذهبت كانون لزيارة جيسي في وظيفته الجديدة في مطعم “تكساس تشيكن وك”، وقد بدا عليه التحسن. كان وزنه قد ازداد ثانية، وأخبرها رئيسه أنه أحد أفضل العاملين عنده. واعتذر لها جيسي لأنه لم يحضر عيد ميلاد أخته. ووعدها بأن يدعو أخته للخروج بمجرد أن يتقاضى راتبه التالي.

بعدها بأيام قليلة، شعرت كانون بالانقباض “يمكن أن تسميه قلب الأم. كان شيء ما يلح علي أن أتصل به، أن أطمئن عليه”. لم يكن لديها وقت قبل العمل، فقالت سأتصل به في الاستراحة لأطمئن عليه. “وذهبت إلى العمل”.

روني تحمل صورة نجلها
روني تحمل صورة نجلها جيسي

أكثر مشكلات المخدرات تعقيدا على مستوى العالم في الوقت الحالي ليست في الأمفيتامين ولا في الكوكايين، ولا في الهيروين الذي رأيناه يعود مؤخرا ليتسبب في مقتل الممثل فيليب سيمور هوفمان. بل هي المخدرات المصنَّعة، والمعروفة أيضا باسم “الدماغ القانوني” أو “المخدرات المصمَّمة”. قبل خمسة أعوام، لم يكن أحد تقريبا يسمع عن هذه المواد. الآن، بحسب مراقبي المخدرات ومسؤولي تنفيذ القانون، صارت تنتشر في أيدي المستهلكين المتلهفين في كل مكان وبسرعة غير مسبوقة. يقول جوزيف رانازيسي، رئيس المجموعة المسؤولة عن المخدرات المصنعة في إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية “إنها واسعة الانتشار. في كل الولايات. لا أتذكر أننا واجهنا هذه المشكلة مع أي مخدر آخر”.

يختلف الفودو عن المخدرات التقليدية كالهيرين الذي قتل سيمور هوفمان

تلك المواد، التي تحمل أسماء دارجة منها K2 وSpice، متاحة على نطاق واسع، وتباع بشكل علني في المتاجر دون أن يخشى صاحبها المساءلة القانونية. وفي مواجهة هذا الانتشار السريع، يبحث المشرعون عن طرق للرد. تقول السناتور آمي كلوبوتشار التي تقدمت بمشروع قانون يسهل إقامة الدعاوى في جرائم المخدرات المصنعة “يجب أن نكون بنفس مهارة المحتالين وباعة المخدرات الذين ينشرون تلك المخدرات غير القانونية، لكن قوانيننا ليست كذلك”.

المخدرات المصنعة، التي يمزجها الكيميائيون في المعامل، ومعظمها في آسيا، هي مركبات كيميائية صممت لتقليد تأثيرات المخدرات الموجودة بشكل طبيعي مثل الماريجوانا والكوكايين دون أن تخرج عن نطاق القانون. ولأن المركبات الأحدث لم تدرج بعد على قوائم العقاقير الممنوعة سواء على مستوى الولايات أو على المستوى الفيدرالي في الولايات المتحدة، يستطيع الباعة تسويقها بوصفها قانونية. وفور أن تضيف السلطات أحد المركبات إلى قائمة الممنوعات، يقوم الكيميائيون بتعديل التركيبة- تعديلا طفيفا للغاية- لصناعة مادة جديدة تزعم أنها قانونية.

ورغم أن تأثيراتها قد تختلف بوضوح عن تأثيرات المخدرات التقليدية التي تسعى لتقليدها، فإن المخدرات المصنعة تقدم في أشكال شبيهة من حيث المظهر والإحساس. فالمواد التي يكتب عليها عادة “مسحوق تنظيف زجاج” أو “أملاح استحمام” هي مركبات كاثيون مصنَّعة، أي منشطات تقدم في شكل مساحيق بيضاء يمكن استنشاقها أو تناولها بالفم أو الحقن لتحقيق حالة من “الانتشاء” أشبه بتلك التي يحققها الكوكايين أو الأمفيتامين.

لكن الانتشار الأكبر كان لتلك المواد الكيميائية التي تسعى لأن تحل محل الماريجوانا. “البخور العشبي” و”النباتات العطرية المجففة” من بين التصنيفات التي تراها على عبوات القنبيات المصنعة، وهي تعمل نفس “المستقبل العصبي” في المخ الذي تعمل عليه مادة “تي إتش سي” THC، وهي المادة الفعالة ذات التأثير العقلي والنفسي في نباتات القنب- ومنها المارجيوانا. وعادة ما ترش على نبتة خاملة مورقة (غالبا ما تكون أوراق الدميانا damiana أو الخبازي marshmallow) يشتريها المستهلكون ويدخنونها.

يسعى الفودو وغيره من المخدرات الكيمائية ليحل محل الماريجوانا

القنبيات هي الآن أكثر أنواع المخدرات المصنعة شعبية، وربما يمنح التقنين المتزايد للماريجوانا المزيد من القوة للأسطورة التي تقول إن تلك المواد الكيميائية غير مضرة في أغلب الأحوال. لكن تأثيراتها، التي بدأ العلماء يفهمونها مؤخرا، يمكن أن تكون غير متوقعة وخطيرة. وقد أوردت غرف الطوارئ ومراكز مكافحة السموم تقارير عن فشل كلوي، وتشنجات، واضطرابات عقلية متعلقة باستخدام المخدرات المصنعة.

وتجتذب الماريجوانا المصنعة بعض المستخدمين لأنها لا تظهر في تحاليل البول. أما سعرها الرخيص نسبيا- تباع العبوة بسعر قد ينخفض إلى عشرة دولارات- وكذا فكرة أنها قانونية ومن ثم آمنة، فهي من الأسباب التي ساعدت هذه المخدرات على شق طريقها نحو المراهقين. مازالت الماريجوانا الطبيعية هي أكثر مخدر في تلك الفئة العمرية- في 2013، ذكر 29.8% من طلاب الصف العاشر في الولايات المتحدة أنهم تعاطوها خلال العام السابق، وفقا لاستطلاع برعاية المعهد القومي للصحة، لكن حتى حين نضع في الحسبان تراجع هذه النسبة مقارنة بعام 2012 مع تزايد يقظة الشرطة، تأتي الماريجوانا المصنعة الأخطر بكثير  في المركز الثاني، حيث ذكر 7.4% أنهم قد جربوها.

تجتذب المخدرات المصنعة المراهقين لأنها لا تظهر في تحاليل البول وقد ينخفض سعرها إلى 10 دولارات فقط
تجتذب المخدرات المصنعة بعض المستخدمين  لأنها لا تظهر في تحاليل البول وقد ينخفض سعرها إلى 10 دولارات فقط

إن العملية التقليدية التي تمتد لشهور من أجل إدراج مادة جديدة على قوائم الممنوعات ليست مهيأة للتعامل مع مشكلة المخدرات الصناعية، حيث الإمكانيات الجديدة سريعة وسهلة التصنيع، بل ولا نهائية بالمعنى الحرفي للكلمة.

يقول تيري بوس، الكيميائي في “مكتب مكافحة تحويل المخدرات” التابع لإدارة مكافحة المخدرات “إنها تظهر بسرعة بالغة تجعلنا طوال الوقت في حالة مطاردة”.

يجاهد ضباط مكافحة المخدرات من أجل اللحاق بالإيقاع- لكنهم يدركون أنها مهمة سيزيفية. فكل ما في طريقة تصنيع المخدرات المصنعة واستيرادها وبيعها واكتشافها يتحدى الطريقة التقليدية في تنفيذ القانون. إن شراء وبيع المخدرات غير المشروعة يحدث خفية عادة، ويتضمن أدلة إدانة تشمل مكالمات هاتفية، أو تحويلات سرية للأموال وعمليات تهريب. أما المخدرات المصنعة، على النقيض، فتباع في متاجر عادية، ومحطات بنزين، ومحلات بيع أدوات التدخين، في عبوات من ورق الألومنيوم مغلقة حراريا، وعليها “باركود”، وتحمل أسماء منتجات منزلية مثل النباتات المجففة أو البخور أو أملاح الاستحمام أو الأسمدة، ومكتوب عليها “ليست للاستهلاك الآدمي”.

في النهاية نجد أن الطريقة العلنية التي تباع بها المخدرات المصنعة هي التي تصعب من مهمة الشرطة. ومثلما هو الحال مع كل عائق جديد يتم ابتكاره، يضطر الطرف الآخر إلى إعادة التفكير في قواعد اللعبة القديمة. وهذا يعني أيضا فضح الأساطير التي تزعم أن تلك المركبات آمنة وقانونية. وهكذا يجب على رجال الشرطة، والنيابة، والقضاة، والمجتمعات، والآباء الاعتراف بأنه إذا كان تجار المخدرات يلعبون بقواعد جديدة، فعليهم أن يحذوا حذوهم.

في أوائل 2010، وصلت الماريجوانا المصنعة إلى أماريلو، تلك المدينة التي يسكنها نحو 200 ألفا في ولاية تكساس، ويعبق هواؤها بروائح الروث المنبعثة من مزارع الماشية المحيطة بها. أبرز الوظائف فيها هي تغليف اللحوم وتجميع الأسلحة النووية. وكما هو الحال في الكثير من الأماكن الأخرى، بحسب السلطات، فإن أول مستخدمي القنبيات المصنعة في أماريلو كانوا يحاولون الانتشاء دون أن يفتضح أمرهم في تحاليل المخدرات الدورية في مقار العمل.

ومن وقتها، نال المخدر شعبية واسعة بين الشباب الصغار، الذين أغراهم انخفاض سعره ، الذي يتراوح عادة بين 10 دولار و50 دولار للعبوة. في استطلاع أجري عام 2013 بين تلاميذ إدارة أماريلو التعليمية المستقلة، تبين أن 11% من الصغار بين الصفين السادس والثاني عشر جربوا الماريجوانا المصنعة. كانت النسبة أقل من نظيرتها في 2012، لكنها توضح أن واحدا من بين كل 9 أطفال تقريبا قد جرب المخدرات المصنعة خلال العام السابق.

في أبريل، أرسلت شرطة أماريلو شرطيا سريا إلى متجر محلي اسمه “بلانيت إكس”. ووفقا لتقرير الحالة الذي سلمه الشرطي، فقد اشترى عبوة تحمل اسم تجاري هو Gorilla Dro Po Po. عادة ما تعجز معدات المعمل الجنائي عن التعرف على المخدرات المصنعة، لكن الاختبار وجد مادة XLR-II، وهي من القنبيات. وقوانين تكساس تمنع المادة القنابية إذا كانت “تقلد التأثير الدوائي للقنبيات التي تظهر في الطبيعة” (بمعنى: التي تسبب الانتشاء). بعدها ببضعة أسابيع، سوف تضاف XLR-II إلى قائمة مكتب مكافحة المخدرات للمواد الممنوعة. وقد وصفت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تلك المادة بأنها مسؤولة عن حوادث إصابات كلوية حادة. (يقول محامي متجر “بلانيت إكس”، الذي أنكر ارتكاب أي مخالفة، إن الشرطة لم تقدم أي عينة من أجل عمل تحليل مستقل).

بعدها بثلاثة أيام، هاجمت الشرطة “بلانيت إكس” ومعها مذكرة تفتيش، وصادرت 92 عبوة من Gorlla Dro Po Po. وقد سجلوا القضية في مكتب المحامي العام لمقاطعة بوتر بوصفها حيازة مادة ممنوعة بغرض الإتجار فيها. لكن مكتب المحامي العام رفض تحريك الدعوى لنقص الأدلة التي تثبت أن Gorilla Dro Po Po  غير قانونية.

رفض المحامي العام  لمقاطعة بوتر  اعتبار مادة   ”  جوريللا درو  بو بو” غير قانونية

في 26 يونيو، تلقت النجدة مكالمة في الثانية عشرة ودقيقتان ظهرا. تردد الصوت الأنثوي “أماريلو 911، ما هو عنوان الحالة الطارئة؟”. وكان الصوت الآخر هو صوت الصديق الذي عثر على جيسي هاي: “نعم يا سيدتي، أنا… أحد أصدقائي. جئت لتوي من منزلي وفتحت الباب، ولا أعرف إن كان بخير. إنه لا يفيق. سألته عاملة الهاتف بعد أن أبلغت الإسعاف “هل يتنفس”. فقال “لا”. وعلى مدار الدقائق الخمس التالية ظلت عاملة الهاتف تكرر العد: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، فيما كان الصديق يحاول إسعافه عن طريق الإنعاش القلبي الرئوي.

بعد حوالي ساعتين من مكالمة النجدة، وصل شرطيان إلى صالة ألعاب البِنجو وأخبرا روني كانون أن ابنها قد توفي. وكان سبب الوفاة “مضاعفات محتملة لتعاطي قنبيات مصنعة”، وفقا لتقرير التشريح الرسمي الذي أجراه الدكتور توماس بارسونس لمقاطعة بوتر.

أما محاولة فهم ما الذي حدث بالضبط لجيسي فهو عملية معقدة. يقول تقرير التشريح إن جيسي أظهر علامات على تورم رئوي ودماغي- سوائل زائدة في الرئتين والمخ. ويعكس التقرير التحدي الخاص بمحاولة التأكد بالضبط مما حدث للضحايا المفترضين للمخدرات المصنعة، حيث يذكر أن نتائج تحليل المعمل الخاصة بالقنبيات “الشائعة” جاءت سلبيا، لنه يشير إلى أن التحاليل لا تزال عاجزة عن كشف الكثير من “القنبيات الإضافية” التي يعتقد أنها تباع  تحت اسم K2.

يحذر خبراء الطب أن جرعة واحدة من القنبيات المصنعة يمكن أن تكون خطيرة بسبب الطريقة العشوائية التي يرش بها المنتجون المواد الكيميائية على النبات الخامل الذي يجري تدخينه بعدها. إذا رشت القنبيات بشكل غير متساوي، يمكن أن تنشأ “مناطق ساخنة” يزداد فيها تركيز الكيمياء بطريقة خطيرة. لكن لأن الأبحاث الطبية قليلة للغاية على تلك المركبات الجديدة، فإن تأثيرها الدقيق لم يفهم بعد بصورة جيدة.

تعتقد كانون أن جيسي توفي بسبب الـ K2 الذي اشتراه من متجر “بلانيت إكس”. وفي دعوى رفعت في الأول من أكتوبر عام 2013، في محكمة رقم 251 في مقاطعة بوتر، أقامت دعوى ضد براندون وزينهانت مالك “بلانيت إكس”، اتهمته فيها الإهمال، من بين اتهامات أخرى، وطالبت بتعويض القتل الخطأ وتعويضات إضافية. وفي تحقيق أولي لمحكمة يرجع إلى 8 أكتوبر، ينكر وزينهانت كل الاتهامات.

الذي اشتراه من متجر بلانيت إكسK2   تعتقد روني أن ابنها   توفي بسبب

قمت بزيارة لـ”بلانيت إكس” يوم الجمعة السابق على الكريسماس بعد حوالي ستة شهور من وفاة جيسي. المتجر الموجود في مركز تجاري صغير بلون الرمال، بجانب جراج للسيارات ومطعم. لا شيء يميزه إلا علامة “مفتوح” بالأضواء الحمراء والصفراء، وورقة مكتوبة بالكمبيوتر مسجل عليها مواعيد الإجازات.

عندما دخلت، قلت للموظف إنني صحفية، وسألته إن كان يبيع الزهور المجففة العطرية. قال “نحن نبيع البخور العشبي”. سألته “هل يمكن تدخينه؟” فأجاب “لا، إنه ليس للاستهلاك الآدمي”، قبل أن يضيف “لا أستطيع التعليق على هذا الأمر. قالوا لي ألا أتحدث مع الصحافة. لا أستطيع لأسباب صحفية. هكذا أمرني رئيسي!”. سألته إن كان من الممكن أن يجعلني أرى البخور العشبي. فقال “أفضل ألا أفعل”.

دخل رجل من الباب الأمامي وتحدث مع الموظف. “كيف حالك يا رجل؟ هل يمكن أن تعطيني Ripped؟”. قال الموظف “عشرة دولارات” وهو يسلمه عبوة رقيقة ويستلم منه النقود بسرعة لم تمكنني من النظر إليها. (تقول شرطة أماريلو إنها تعرف المواد المكتوب عليها Ripped وتعتقد أنها قد تحتوي K2، رغم أنها لم تحللها بعد).

خرجت لمدة 15 دقيقة وعددت تسعة أشخاص، جميعهم تقريبا من الشباب الذكور، يدخلون ويخرجون في وقت لا يتجاوز 30 ثانية. بعدها بأيام اتصلت بمالك المركز التجاري، جاستن تشابمان، لأسأله عن رأيه. فقال “أنا أعمل في مجال العقارات. إذا كان الأمر ضد القانون، فسوف تغلقه السلطات. ولكن إذا لم يكن ضد القانون، فسوف أتركهم لحالهم”. (فيما بعد ذكر تشابمان لتايم أنه قد غير رأيه وأخرج “بلانيت إكس” وسوف يؤجر المكان لأحد المطاعم).

منذ قرون والناس يدخنون الماريجوانا، وأعراضها الجانبية الشائعة معروفة جيدا- مثل احمرار العينين وزيادة الشهية. ورغم أن المعارضين يذكرون مخاوف أنها قد تمثل بوابة لمخدرات أخرى وتؤثر في أمخاخ المراهقين التي لا تزال قيد النمو، فعلى الأقل في مجال المواد التي “تغير المزاج” تعتبر الماريجوانا آمنة نسبيا. وقد ساعد هذا في تمكين الحركة التي نجحت في تقنين “الماريجوانا بغرض الاسترخاء” في ولايتي واشنطن وكولورادو.

أما القنبيات المصنعة فهي مسألة مختلفة. يقول أطباء إن الأعراض التي تسببها تلك المخدرات تشمل القيء والتشنجات وزيادة ضربات القلب. وقد شهدت غرف الطوارئ في الولايات المتحدة 11406 زيارة متعلقة بالقنبيات المصنعة في 2010، وهو آخر عام أتيحت فيه البيانات، وفقا لـ”إدارة خدمات الصحة العقلية والمواد المسببة للإدمان” التي لم تتتبع هذه المواد قبل هذا العام. وهذا الرقم هو جزء من 2.3 مليون زيارة لغرف الطوارئ متعلقة بالمخدرات سنويا، رغم أن إدارة خدمات الصحة العقلية تلاحظ أن عملية رصد الزيارات المتعلقة بالمواد المصنعة ربما تكون أقل من الواقع بسبب محدودية قدرات المستشفيات على الكشف عن هذه المواد.

استقبلت غرف الطواريء بالولايات المتحدة أكثر من 11 ألف زيارة بسبب القنبيات المصنعة في 2010

رجال القانون والكيميائيون وأخصائيو السموم يشبهون تناول المخدرات المصنعة بـ” الروليت الروسي”، حيث تتراوح خطورتها بين الإصابة والوفاة. من الصعب تحديد حجم الخطر الكامن في أي مركب، فتلك ليست عقاقير صيدلانية تتعرض لاختبارات الأمان، وإنما تنويعات لا حصر لها يخلطها كيميائيون لا يعنيهم ما قد تسببه مركباتهم من أذى للجسم البشري.

يقول رانازيسي، المسؤول عن المخدرات المصنعة في إدارة مكافحة المخدرات، والذي يرأس مكتب مكافحة تحويل المخدرات: “إنهم يجربون على أطفالكم. تلك المخدرات تسبب الضرر الجسدي والضرر العقلي والموت”.

مازالت الأبحاث محدودة، لكنها مثيرة للقلق. في يناير 2014 أجرت دورية “فورينسيك ميديسن ريفيو” المتخصصة مسحا لنتائج بحث عن التأثيرات البيولوجية للقنبيات وعينت “دليل متنامي من ناحية علمي السموم والعقاقير على حالات عجز، واضطراب عقلي، وإصابات في الأنسجة، وحالات وفيات منفصلة، متعلقة بهذه الفصيلة الناشئة من العقاقير”. وفي 2012، نشرت ورقة في دورية “أكاديميك فورينسيك باثولوجي” المتخصصة، ونسبت وفاة شاب عمره 17 عاما كان قد دخن قنبيات مصنعة جراء سكتة قلبية “نتيجة للتأثيرات السامة لقنبيات مصنعة”. وقد اعتبرت تلك الدراسة مميزة لأنها الأولى التي استخدمت اختبارات علم السموم للربط بين المادة القنابية وبين وفاة الضحية.

ورغم أن الجميع تقريبا يتفقون على خطورة المخدرات المصنعة، تقول السلطات إن محاربتها ليست بالأمر اليسير. فالصناع في آسيا، حيث يظل تصنيع معظم المخدرات المصنعة قانونيا، اعتادوا على شحن منتجاتهم- التي لا تستطيع الكلاب المدربة اكتشافها- إلى الولايات المتحدة عن طريق خدمات الشحن مثل UPS وFedEx. وهذا أحد الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تبدأ مناقشات مع الصين بشأن تصدير تلك المواد، وفقا لجيل كيرلكويسكي،  الذي شغل أعلى منصب في شؤون المخدرات لدى البيت الأبيض سابقا، ويشغل حاليا منصب مفوض في مصلحة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية. يقول “لقد عملنا بقوة مع الصين. بعض تلك المواد الكيميائية ليست مخالفة للقانون في ذاك البلد على وجه الخصوص”.

المصنعونن الآسيويون اعتادوا على إرسال المخدرات المصنعة والتي لا تستطيع الكلاب المدربة اكتشافها عبر شركات الشحن مثل يو بي إس

ويقول رجال شرطة محّليون إنهم يكافحون من أجل إيجاد طريقة للتعامل مع المتاجر التي تبيع المخدرات المصنعة في مناطقهم. يقول راندي مينشر، شرطي المخدرات السري في شرطة أماريلو “لو كنا نعرف على وجه اليقين أنها غير مشروعة وكان بإمكاننا أن نقتحم ونصادر كل ما لديهم، لفعلنا ذلك”.

بدوره يلقي راندال سيمز، المحامي العام لمقاطعة بوتر، باللوم على الغموض القانوني الذي ينشأ عندما تباع تلك المواد بشكل علني، تحت مصنف بخور عشبي أو زهور مجففة عطرية. ويقول إنه في حالة متجر “بلانيت إكس” لم تتوافر ببساطة أدلة كافية لإقامة الدعوى. ويضيف “قانون تكساس يتطلب أن يكون الشخص يبيع مادة غير قانونية عمدا أو عن معرفة”. من السهل أن تقنع هيئة المحلفين أن البائع يدرك عدم قانونية المادة التي يتاجر فيها عندما يتعلق الأمر بصفقات خاطفة تجري في الأزقة الخلفية. ويضيف مفسرا: “عندما تدخل المحل من بابه، ينتهي كل هذا. إذا كانت العبوة مكتوب عليها زهور مجففة، وأنت تدخل، وتلتقط عبوة من الزهور المجففة وتخرج، فأنت- من ناحية الأدلة التي يمكن أن تصمد في المحكمة- لم تفعل سوى شراء عبوة من الزهور المجففة”.

تباع أنواع الفودو في شكل سلع بريئة المظهر بخور عطرية أو زهور مجففة ولكن بأسعار أغلى كثيرا
تباع أنواع الفودو في شكل سلع بريئة المظهر بخور عطرية أو زهور مجففة ولكن بأسعار أغلى كثيرا

ورغم غياب الاتهامات الجنائية، قررت روني كانون في أكتوبر أن تواصل دعواها ضد “بلانيت إكس”. قالت لي كانون “هؤلاء الباعة يعرفون جيدا كيف يستخدم الناس هذا الشيء. لا أحاول أن أصور ابني على أنه ملاك أو أنه كان شابا خارقا له مستقبل واعد. ابني كانت عنده مشكلاته. ترك المدرسة. وكانت علاقتنا متوترة، ولكن هذا لا يعني أنه يستحق الموت بهذه الطريقة”.

يأمل محاميها، فينسنت نواك، في الحصول على محاكمة محلفين هذا الصيف. يقول إنه سيدفع بأن “بلانيت إكس” انتهك قانون الغش التجاري لولاية تكساس. وبالتحديد، سيدفع بأن مالك المتجر ويزنهانت كان يعلم أن “بلانيت إكس” يبيع سلعة خطيرة ولم يحذر جيسي. بالنسبة لنواك، الفكرة هي أنه لا يمكن لأي شخص أن يصدق بأن المنتج المكتوب عليه “زهور مجففة عطرية” في “بلانيت إكس” هو كذلك حقا. مضيفا “إن رائحته أشبه بروث الكلاب”.

حاولت الاتصال بويزنهانت مرارا من أجل التعليق، لكنه لم يرد. ويقول محاميه دافيد مارتينيز لـ”تايم” إن عميله لم يبع ماريجوانا مصنعة لأي شخص. نقطة. بصرف النظر عن ابن كانون، وذلك رغم نتيجة المعمل الجنائي الواردة في تقرير شرطة أماريلو حول الغارة التي انتهت بمصادرة Gorilla Dro Po Po. يقول مارتينيز “أقول لك إن هذا المنتج لا يحتوي على أية قنبيات معروفة. هذا الشيء يجري اختباره… إذا أكدت نتائج المعمل أنه لا توجد قنبيات وفقا لقوانين ولاية تكساس أو القانون الفيدرالي، فيمكنهم بيع هذا الشيء بشكل قانوني”.

إذن ما هو المنتج الذ يبيعه “بلانيت إكس”؟. يقول مارتينيز “منتج يجعل المكان رائحته طيبة. نفس الشيء الذي يبيعونه في محلات وولمارت”. أقول له إنه إذا حسبنا سعر الجرام لوجدنا أن “بلانيت إكس” يبيع “زهور مجففة عطرية” بسعر يقترب من 280 دولار للأونصة (28 جرام)- (أونصة الزهور العطرية المجففة في وولمارت تتكلف 40 سنتا)، فيرد مارتينيز “لا بد إذن وأن فيه شيئا يجعل الناس يحبونه”.

محاربة انتشار المخدرات المصنعة الخطيرة سوف يتطلب طرقا جديدة لتنفيذ القانون. فمع إدراك استحالة صياغة قوانين تضع قائمة بكل مخدر غير قانوني محتمل، قامت العديد من الولايات بتبني نسخها الخاصة من القوانين الفيدرالية التي تجرم بيع عقار يتماثل كيميائيا بصورة جوهرية مع مادة مدرجة على قوائم الممنوعات. نظريا، يسمح هذا بإقامة دعوى في حالات المواد المصنعة التي لم يتم تحديدها على وجه الدقة. أما عمليا، فالأمر صعب، حيث أن تلك الحالات تتطلب شهادة خبراء من الكيميائيين يتناقشون في المحكمة حول التركيبة الكيميائية للمخدر- وهو ما يصعب المهمة على هيئات المحلفين.

وهكذا، يرى الكثير من خبراء المخدرات أن الخطوة القادمة هي إخراج العلم من ساحة المحكمة. وبدلا من التركيز على مكونات أو تركيب المخدرات المصنعة، فهذه الاستراتيجية الجديدة تعتمد على ملاحظة الطريقة التي تباع بها تلك المخدرات. ووفقا لهذا المنطق، فإن المنتجات التي يتم تسويقها بوصفها بخور عشبي أو أملاح حمام، يجب أن تستخدم لهذه الأغراض. وبالطريقة نفسها، إذا كانت تسبب الانتشاء، فعلى الباعة مسؤولية أن يعرفوا ذلك.

وفي هذا الصدد، قدم السيناتور الديمقراطي كلوبوتشار، عن ولاية مينيسوتا، مشروع قانون يسمح للمدعين الفيدراليين بتحريك دعاوى بناء على عوامل مثل التعبئة، والتسعير، وممارسات التصنيع، بوصفها أدلة على نية بيع مخدر غير قانوني. إذا كان المنتج مكتوب عليه أملاح حمام أو موصوف بأنه “ليس للاستخدام الآدمي” ولكن رائحته فظيعة، ولا يفعل شيئا في مياه الاستحمام، وسعره يرتفع كثيرا جدا عن سعر المنتجات المشابهة، وموجود داخل عبوة تصور رجلا عيناه عليهما علامة x، فعلى البائع أن يعرف أنه يبيع مخدر يسبب النشوة.

إذا كان مكتوبا على المنتج "غير صالح للاستهلاك الآدمي، وكان سيء الرائحة وغالي الثمن ولا يؤدي وظيفته، قد يمكن تحريك دعوى ضد من يبيعه طبقا لمحاولة السناتور الديمقراطي كوشنار
إذا كان مكتوبا على المنتج “غير صالح للاستهلاك الآدمي، وكان سيء الرائحة وغالي الثمن ولا يؤدي وظيفته، قد يمكن تحريك دعوى ضد من يبيعه طبقا لمشروع قانون قدمه  السناتور الديمقراطي كوشنار

ولايات أخرى تنتهج أساليب مشابهة، لكن بدلا من توجيه اتهامات جنائية يستهدفون باعة المخدرات المصنعة بتعويضات نقدية مدنية. في كولورادو طرح مشروع قانون في يناير يضيف المخدرات المصنعة إلى قانون الغش التجاري الخاص بالولاية، يفرض غرامات للغش في التسويق تصل إلى 500 ألف دولار للعبوة الواحدة.

لكن التوعية، في نهاية الأمر، قد لا تقل أهمية عن الاستراتيجيات القانونية. فأساطير المشروعية والأمان تجعل الصبية على وجه الخصوص عرضة للخطر. حيث ما زال الكثير من المستخدمين لا يفهمون الفارق بين المخدرات المصنعة والمخدرات الحقيقية. وتزايد تقنين الماريجوانا قد يزيد الصورة ضبابية. في أوائل يناير تم حجز رجل في المستشفى في مدينة دينفر، وورد أن ذلك قد جاء بعد تدخين ماريجوانا مصنعة تحمل اسم GIRL SCOUT COOKIES- وقد تصادف أنها أيضا اسم تجاري شائع للماريجوانا الطبيعية، وهو ما يشير إلى أن مسوقي المخدرات المصنعة يمكن أن يستغلوا موجة تقنين الماريجوانا من أجل الدفع بنسختهم الأكثر فتكا.

يقول النائب الجمهوري لويس لاندجراف الذي يقف وراء مشروع قانون كولورادو “لقد بدأنا بكل تأكيد نسمع عن مشكلات الـ”سبايس” (الاسم الدارج للقنبيات المصنعة في كولورادو) عندما تصاعدت قضية تقنين الماريجوانا. إذا كان بإمكاني شراء أونصة من الماريجوانا بسعر 330 إلى 500 دولار، أو عبوة من “السبايس” بسعر 5 إلى 20 دولار، فسوف أتجه نحو المخدرات المصنعة، إذا كنت تعتقد أنهما المنتج نفسه. جزء من المشكلة هو عدم معرفة أن “السبايس” قاتل”.

وهو ما يمثل تحديا بالنسبة للآباء، والمجتمعات، والسلطات والمدارس في تعريف الأطفال بالمخاطر. التقارير التي وردت إلى مراكز السموم بشأن المضاعفات الخاصة باستهلاك الماريجوانا المصنعة تراجعت إلى النصف في 2013 من 2012، رغم أن ذلك ربما يشير جزئيا إلى أن الأطباء، وقد أصبحوا أكثر معرفة بالمخدرات المصنعة، لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى استشارة مراكز مكافحة السموم. لكن رانازيسي (من إدارة مكافحة المخدرات) ليس متأكدا. يقول “مازال الصبية يدخلون المستشفى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق