إعلامسياسة

الصحافة و”شارلي إبدو” ..هذا وقت التأنّي

هذا وقت “الصحافة البطيئة” وعلى  الصحفيين فعل  ما بوسعهم لتقليل حرارة الأحداث. 

gty_paris_shooting_11_kb_150107_16x9_992

شبكة الصحافة الأخلاقية – آيدن وايت

ترجمة: محمد الصباغ

 ترجمة: محمد الصباغ

يعد  الهجوم على مجلة “شارلي إبدو” أسوأ الحوادث التى استهدفت الصحفيين في أوروبا، ولا يضاهيه عالميا إلا المذبحة التى وقعت منذ خمس سنوات في الفلبين، وراح ضحيتها 32 صحفياً و عاملاً في مجال الإعلام عندما هاجم 100 مسلح لجنة انتخابية في مدينة مينداناو.

حادث فرنسا ليس بمعزل عن الهمجية السياسية، فهو جزء من نضال إيديولوجي مستمر منذ عشر سنوات، عندما نشرت صحيفة “يولاندس بوستن” الدنماركية رسوماً للنبي محمد أثارت الجدل. وهو ما أطلق شرارة نقاش واسع في العالم حول التوازن بين الحساسيات الدينية و الحق في حرية التعبير.

الرسامون الأكثر موهبة في “شارل إبدو” كانوا من بين ضحايا الهجوم المأساوي، هؤلاء الذين أسهمت أعمالهم في أن  تكون المجلة الساخرة رمزا للاختلاف في الرأي بطريقتها الحادة في نقد النخبة السياسية في فرنسا.

لكن السخرية من السياسات الغربية، حيث تشمل حرية التعبير الحق في أن تكون حادا في نقدك إلى حد الإهانة، أقل خطورة بكثير من تحدي سلطة الأيدولوجية القائمة على التعصب للعقيدة الدينية.

عندما اشتعلت أزمة الرسوم الكرتونية  للنبي محمد في يناير 2006، والتى كانت قد نشرت في الدنمارك لأول مرة في 2005، انقسم الإعلام الغربي حول كيفية الرد. فقرر البعض نشر الرسوم للتضامن مع الصحفيين الدنماركيين عقب ردود فعل قوية وغاضبة من مسلمين متعصبين. فيما قرر البعض الآخر عدم إعادة نشر الرسوم لشعور المحررين بأن الرسوم قد تكون مثيرة لمشاعر المسلمين من قرائها. بينما استسلم الجزء الأكبر للرقابة الذاتية وسط انتشار تهديدات بالعنف.

وتمثل “شارلي إبدو” صوت المعارضة العنيدة التى لا تقبل المساومات أو أي شكل من الرقابة، وبالفعل فقد ذاقت المجلة معنى أن تكون في مواجهة مع متطرفين متدينين. ففي 2011 تعرض مكتبها للحرق عقب الاعلان عن نيتها إصدار عدد خاص يظهر فيه النبي محمد كضيف لرئيس تحريرها.

لحسن الحظ لم يسقط قتلى، لكن التحذير كان واضحاً، وشعر الكثير من الناس بالقلق مما حدث.

هل كانت المجلة استفزازية دون حاجة إلى ذلك؟.. كانت هناك أيضا مخاوف من كون المجلة تبحث عن لفت الانتباه أكثر من سعيها لتطوير نقاش حول الحاجة لحرية التعبير. لكن المجلة دافعت عن نفسها، وقالت إنها لا تركز على الإسلام فقط، إنما تسخر من كل الجماعات الدينية و السياسية.

 قتل الصحفيين في غرف الأخبار شئ لا تحتمله الضمائر و لا يمكن تبريره أبداً. وقد أظهر الهجوم أن الصحفيين و العاملين في الإعلام غير محصنين و مستضعفين عندما يدافعون عن حرية الصحافة في مواجهة الفساد و التطرف العنيف بجميع أشكاله. وفي العام الماضي استهدف الكثير من الصحفيين وقتل 61 صحفيا وفقا لـ”لجنة حماية الصحفيين”، بينما أوردت “صحفيون بلا حدود” أن قتلى الصحفيين بلغوا 66، وذكر “الاتحاد الدولي للصحفيين” أن 118 صحفيا لقوا مصرعهم.

رغم التفاصيل غير الواضحة، تبقى الصحافة مهنة عالية المخاطر مع تعرض المراسلين و المحررين لتهديدات و أشكال عنف بسبب كشفهم للجرائم والفساد والأخطاء السياسية.

من المتوقع أن تشعل الأحداث المروعة في باريس جدلا جديدا حول حرية التعبير وعدم التسامح الديني. ويمكننا أيضا أن نتوقع المزيد من خطابات الكراهية، تحديداً من اليمين السياسي في أوروبا، الذى سيسعى لتحقيق مكاسب سياسية مستغلا حالة الغضب العام.

على الصحفيين أن يعرفوا أكثر عن كيفية التعامل مع تلك الأحداث، وعدم إتاحة مساحات للأصوات التى تشجع على ممارسة الكراهية وتشجيع الإسلاموفوبيا. إن تفاصيل الجريمة التى شهدتها باريس ستتكشف خلال الأيام المقبلة، وعلى الصحفيين أن يتعاملوا معها بحساسية وحرص شديدين. ويجب عليهم أن يفعلوا ما بوسعهم لتخفيف سخونة الموقف وتجنب أن يصبحوا غطاء لانتهاكات وممارسات التمييز ضد المسلمين.

هذا وقت الصحافة البطيئة التى تتطلب من كل العاملين في الإعلام والصحفيين خارج غرف الأخبار أن يتحلوا بالحرص وأن يفكروا جيدا في عواقب ما يكتبونه أو المواد التى يعرضونها.

عندما نتحرك بسرعة يمكننا أن نصبح متواطئين في أفعال غير إنسانية. على سبيل المثال بعد دقائق معدودة من حادث باريس، انتشر مقطع فيديو على الإنترنت يظهر قتل شرطي من مسافة قريبة. هذا المشهد ما كان يجب أن يعرض ويشاركه الناس على الانترنت.

لم يكن الزملاء الذين قتلوا في “شارلي إبدو” أبطال عنف أو كراهية. الحقيقة أن المجلة استخدمت دائماً قوتها الإبداعية في الكتابة و الصورة لتظهر أن السياسة يمكن أن تواجه ويجب أن تواجه  على مستوى تُحترم فيه التعددية والاختلاف في الرأي. وحتى هؤلاء الذين نختلف معهم بقوة، لهم الحق أن تُسمع آرائهم. ولا يحق لأحد – خاصة الذين يتبادلون القتل والأفعال اللا إنسانية – أن يقول غير ذلك.

http://ethicaljournalismnetwork.org/

 هذه المقالة برعاية  شبكة الصحافة الأخلاقية ، وهي منظمة إعلامية  غير ربحية تدعو إلى الصحافة الأخلاقية والحكم الرشيد والتنظيم المستقل لوسائل الإعلام. تم إنشاؤها في عام 2011 في إطار حملة مهنية  لتعزيز مهنة الصحافة. يمكن قراءة النسخة الأصلية لهذه المقال بالإنجليزية  على هذا الرابط

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق