رأي النخبة

الرجل الذي (لم ) ينقذ العالم

 

الرجل الذي لم ينقذ العالم

 بيتر سينغر

 

برينستون – في الشهر الماضي، بيعت لوحة للمسيح بصفته منقذ العالم، باسم “سالفاتور موندي”، للرسام ليوناردو دافنشي  في مزاد علني بقيمة 400 مليون دولار، أي أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق المسجل لعمل فني بيع في مزاد. وكان على المشتري أن يدفع مبلغا إضافيا قدره 50.3 مليون دولار مقابل العمولات والرسوم.

وقد أضيفت بعض اللمسات على اللوحة بشكل ملحوظ، حيث تساءل بعض الخبراء عما إذا كانت لوحة ليوناردو حقا. ووصف جاسون فاراجو، الناقد الفني لصحيفة نيويورك تايمز، بأنها “لوحة دينية متقنة ولكنها ليست تحفة مميزة من لومبارديا القرن السادس عشر، بل أدخلت عليها ترميمات”.

وقد دفع المشتري – حيث يعتقد الكثيرون أنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مدعيا أنه ابن عمه – ثمنا باهظا جدا لرسم رجل يقال إنه قال لشخص غني آخر: “اذهب، قم ببيع ممتلكاتك، وساعد الفقراء، وسيكون لديك كنز في الجنة”. ومن المناسب هنا أن نسأل: ماذا يمكن لشخص يملك 450 مليون دولار أن يفعل لمساعدة الفقراء؟

إن منظمة “الحياة التي يمكن إنقاذها”، هي منظمة غير ربحية أسستُها قبل بضع سنوات، تتوفر على حاسبة الأعمال الخيرية تمكنك من معرفة ما يمكن تحقيقه من خلال التبرعات للجمعيات الخيرية مع سجل حافل بالمساعدات الفعالة لأشد الناس فقرا في العالم. وتبين أن مبلغ 450 مليون دولار يمكن أن يعيد البصر إلى تسعة ملايين شخص يعانون من العمى القابل للعلاج، أو يزود 13 مليون أسرة بالأدوات والتقنيات اللازمة لزراعة أكثر من 50٪ من الأغذية.

إذا كنت تريد أن تتبع أوامر المسيح عيسى بطريقة أكثر حرفية، يمكنك ببساطة إعطاء المال لأفقر الأسر في العالم لاستخدامها كما يحلو لهم. وستقوم منظمة غير هادفة للربح تسمى  “جيف ديريكتلي” (أعط مباشرة) بتحديد موقع الأسر الأكثر احتياجا وتحويل أموالك إليهم، مع خصم 10٪ فقط من تكاليفها الإدارية.

وإذا كنت تعتقد أن الأشخاص الذين يتلقون مثل هذا الكسب المفاجئ سوف ينفقونه على الكحول أو لعب القمار أو البغاء، فقد أظهر تقييم مستقل أنهم لن يفعلوا ذلك. إن التحويلات النقدية المباشرة تزيد الأمن الغذائي للمستفيدين، والصحة النفسية، والأصول. وبمبلغ 450 مليون دولار، بإمكانك أيضا شراء 180 مليون شبكة سرير، ما يكفي لحماية 271 مليون شخص من الملاريا. (بالنسبة لجميع هذه التدخلات، من المرجح أن تكون الأعداد أصغر إلى حد ما، لأن حاسبة الأثر الخيرية لم تصمم لمثل هذه المبالغ الكبيرة، وهكذا لا تأخذ بعين الاعتبار أن التكاليف سترتفع بمجرد تلبية احتياجات أولئك الذين يسهل الوصول إليهم).

عندما يختار شخص شراء لوحة “سالفاتور موندي” بدلا من إعادة البصر لتسعة ملايين شخص، ماذا يمكن أن يقال عن قيمه؟ من الواضح أنه: لا يستطيع أن يهتم بالأشخاص الآخرين. مهما كانت المتعة التي سيحصل عليها، وأسرته، وأصدقاءه من مشاهدة اللوحة، فإنه لا يكاد يقارن بفائدة إعادة البصر لشخص واحد، ناهيك عن العديد من الملايين.

عن صواب أو عن خطأ، معظمنا يعطي أهمية أكبر لمصالحه، ولأطفاله وأقاربه وأصدقائه، أكثر مما نوليه لمصالح الآخرين. وكلما زاد بُعد واختلاف الآخرين عنا، كلما ارتفع معدل الإهمال الذي نطبقه عمليا.

ومع ذلك، يمكن خفض معدل الإهمال بشكل كبير، والتعامل مع مصالح الآخرين بعناية، وذلك من خلال الاعتراض على كل هذه الأمور. ويمكننا القول بأن معظم الأغنياء هم على الطريق الخطأ. لكن ما يبدو لي غير قابل للنقاش هو أن تحظى لوحة باهتمام أكثر من إعادة البصر لملايين من الأشخاص.

في عام 2006، تعهد المستثمر الأسطوري وارن بافيت بتقديم معظم ثروته – حوالي 30 مليار دولار – إلى مؤسسة بيل وميليندا غيتس لمساعدة الفقراء. هذه الهدية – أكبر هدية أعطيت من قبل شخص  لشخص آخر دون مقابل – ضاعفت موارد المؤسسة. واحتفالا بالذكرى السنوية العاشرة لتعهد بافيت، أبلغه بيل وميليندا غيتس مؤخرا عما حققته المؤسسة، مع منظمات أخرى، لتحسين الصحة العالمية خلال ذلك العقد.

إن العدد الذي يشير إليه بيل وميليندا غيتس هو 122 مليون. وهو عدد الأطفال الذين أنقذت حياتهم منذ عام 1990 عن طريق التخفيضات التدريجية في معدل وفيات الأطفال. وبعبارة أخرى، إذا ظل معدل وفيات الأطفال ثابتا بين عام 1990 واليوم، كان سيتوفى 122 مليون طفل إضافي أكثر من الذين توفوا بالفعل خلال تلك الفترة.

ولعل أكبر إسهام قدمته مؤسسة غيتس في هذا الانخفاض كان التعهد بتقديم 750 مليون دولار لإنشاء التحالف العالمي للقاحات والتحصين (المعروف الآن باسم التحالف العالمي للقاحات والتحصين)، وهي مبادرة للقطاعين العام والخاص تعمل مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة على تحسين معدل التلقيح في البلدان الفقيرة، وتعزيز تطوير لقاحات جديدة. الآن 86٪ من أطفال العالم يحصلون على لقاحات أساسية – وهو أعلى معدل على الإطلاق.

وتؤكد مؤسسة بيل وميليندا غيتس أن كل دولار ينفق على التحصين في مرحلة الطفولة يحقق 44 دولارا من الفوائد الاقتصادية، بما في ذلك الأموال التي تفقدها الأسر بخلاف ذلك عندما يمرض الطفل ولا يتمكن أحد الوالدين من العمل. قد تكون مساهمة وارن بافيت في التحصين أفضل استثمار قام به إطلاقا.

ما الذي يجعل الشخص أكثر سعادة في رأيك؟ امتلاك لوحة – حتى لو كانت اللوحة الأكثر روعة في العالم – أو معرفة أنك قد ضمنت صحة جيدة للملايين من الأطفال، وأنقذت الأرواح وساعدت الأسر اقتصاديا في نفس الوقت؟ كل من الحس السليم والبحوث النفسية تشير إلى أن السعادة ليست بامتلاك لوحة.

بيتر سينغر هو أستاذ في أخلاقيات البيولوجيا في جامعة برينستون والأستاذ الحائز على جائزة من جامعة ملبورن. كتبه تشمل “عالم واحد الآن”، “الأخلاق العملية”، و”الأخلاق في العالم الحقيقي”، وآخر كتبه “مذهب المنفعة: مقدمة قصيرة جدا”، شارك في تأليفها كاتارزينا دي لازاري-راديك.

 

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2017. ينشر بالاتفاق مع زحمة دوت كوم
www.project-syndicate.org

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق