سياسة

الجارديان: لو كنت ديكتاتورا في مصر وأوكرانيا

ggg

 سيمون جينكنس يكتب في جارديان البريطانية عن ميداني التحرير في مصر والاستقلال في أوكرانيا تحت عنوان “ميادين أوكرانيا ومصر، رموز للفشل ، لا للأمل. 

ترجمة ـ منة حسام الدين:

“لقد كانت تجربة غريبة، فقد كنت أشاهد  فيلم “الميدان” عن انتفاضة 2011 في مصر، وبينما كان بطله أحمد يصرخ في أحد المشاهد “لقد انتصرت الثورة”، اندلع في اللحظة نفسها صوت من الراديو، قادم من ميدان في “كييف” الأوكرانية، يعلن أيضا ” لقد انتصرت الثورة”.

  عود على بدء.

إن الساحات هي المسارح الأقوى والأشهر للسياسة، على متنها هذا العام يُقدّم العرض الثاني للثورة الأوكرانية، والثالث للمصريين، تحت تهليل مشاهدي التلفزيون الغربي، إننا نحب مشاهدة الشبان يلقون الحجارة على السلطات، والنار، الدخان، الأعلام الملطخة بالدماء، الرؤوس المكسورة والماء والغاز، والقوات الشريرة بطيئة التعلم، نحن كمن يجلس في الصف الأول في قاعة التاريخ، وقد نشهد التصويت الأول في أي يوم.

في ميدان التحرير المصري، أو ميدان الاستقلال الأوكراني، أو في غيرها من الميادين في تركيا وطهران وأثينا، وبراغ ولندن، حيث أثاث الثوار هو الحواجز ، شرابهم كوكتيل المولوتوف،  منشطاتهم قنابل الغاز المسيل للدموع، في تلك الساحات المقدسة، يجتمعون بالآلاف ويستدعون الإعلام ليشهد معركتهم الأخيرة مع أنظمتهم القمعية، والتي – في بعض الأحيان-  ينتصرون فيها.

 فلو كنتُ ديكتاتورا، لأمرت ببناء أسواق تجارية في تلك الميادين فورا، كما حاول أن يفعل أردوغان العام الماضي في “تقسيم”، أو على الأقل، كنت لأتعلم من تجربة ميدان السلام السماوي: إن تجمع الحشود في ميدان واحد يصعب جدا مهمة إزالتها، ويجعلها تجربة وحشية تخلق دعاية سلبية، أكثر من دستة مجازر في الأماكن أخرى”.

ومن الصعب لنا أن نتخيل فلاديمير بوتين يسمح بتجمع الحشود في “الساحة الحمراء”، وقد وردت تقارير عنه، ينتقد بقوة الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش لعدم فضه ميدان الاستقلال فورا، مهما تكلف الأمر من وحشية.

إن مثل تلك التجمعات الحاشدة لطالما فتنت الفلاسفة، سمّاها دوركايم “الفوران الجماعي”، رآها فرويد تعكس “التشجنات العميقة للتاريخ”، وحتى اليوم، لا تعبأ السلطات بمواجهة الملايين الافتراضية على فايسبوك وتويتر، لو كانت السياسة افتراضية، لما ترك سياسي مكتبه.

 أما الميادين فهي الساحة التي يضع فيها السياسيون والمحتجون أجسادهم على المحك، يعبرون بدمائهم ولحمهم عن مطالبهم، لكنها تبقى حشودا تسودها الفوضوية والأناركية، دوافعها سلبية بالأساس، ليست إلا معارضة للسلطة القائمة، إن الحشود تهدم، لكنها نادرا ما تبني. في ميدان تقسيم كان “آرديم جوندز” يقف صامتا، رسالته “لا شيء سوى التحدي”، في “كييف”، قال أحد المتظاهرين للجارديان، إن قمع يانوكوفيتش، كان “لا يمكن تصديقه في قلب مدينة أوروبية متحضرة، ولابد أن يجرّ إلى الميدان حيث يمكن للجميع أن يبصق في وجهه”.

آردم يقف صامتا في ميدان تقسيم

يقول إلياس مانيتي، مؤلف كتاب “الحشود والسلطة”، إن الحشود ” تحتاج إلى التوجيه حتى لا تفقد حجمها وتموت”، والفيلم الوثائقي المصري “الميدان” يظهر سذاجة المتظاهرين بقدر شجاعتهم، هاهم يستطيعون أن يستدعوا المزيد من الحشود ويصنعون أكبر مظاهرة في التاريخ، لكن كل ما سيتمكنون من تحقيقه هو الهتاف بأن “السلطة للشعب”، دون خطوة جديدة عن زمن “الباستيل”، وكما قال الأب في أحد مشاهد الفيلم: هل تتوقعون أن الخيمة والغطاء ( في الاعتصام  ) سيعالجان كافة مشاكلكم؟”

يحب الرومانسيون الإشارة إلى “حكمة الحشود”، حيث  “نحن أذكى من أنا” ، لكنهم يتناسون قدرة الشموليون على توجيه تلك الحشود لإرادتهم، والقسوة والهيستريا التي يمكن برمجة تلك الحشود بها، حتى الحشود العفوية هي غير مستقرة وخطرة بطبيعتها، قدر ما هي هدية إلى الزعماء الشعبويين.

إن اوكرانيا محظوظة لأن لديها برلمان ديمقراطي يمثل قطاعات الشعب المختلفة، لكن يبقى أنه تماما كما  في مصر،  تم إطاحة الرئيس المنتخب ديمقراطيا عبر المتظاهرين، فمهما كان الأوكراني فاسداً وقاتلاً ودمية في يد روسيا ويستحق ماحدث معه، لكنه يتمتع بالشرعية الانتخابية  التي لا يحظى بها المتظاهرون، وبالتالي، فأن أنصاره لن ينسوا ماحدث معه.

 الحشد في الميادين ليس طقسا ديمقراطيا، بل هي الاستجابة الانسانية الأكثر بدائية للتهديدات، تشير الحشود إلى  انهيار في المؤسسات السياسية، وفشل القوانين والنظام، يمكن للحشود أن تطفيء نظاما  صار ضعيفا ، ليسود الظلام في البلاد، لكنها نادرا ما تستطيع إشعال ضوء الديمقراطية.

يمكن للثورات دائما أن توحي بأمل في غد أفضل، لكن التاريخ يطلب منا أن نتشكك في ذلك الأمل، قبل شهر واحد فقط تجمع حشد كبير في ميدان التحرير للاحتفال بعودة الجيش إلى السلطة بعد ثلاث سنوات من الفوضى، حتى الحشود أحياناً تتلهف لشيء من النظام.

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق