سياسة

الجارديان: النوبيون ما زالوا يفقدون أراضيهم لصالح “المشاريع الكبرى”

نزاع على الأراضي النوبية التي ستباع للمستثمرين يكشف التوتر بين خطط الحكومة التنموية وحقوق الجماعات العرقية

الجارديان

4965

ترجمة- سلمى خطاب

قطعة من الصحراء بالقرب من مدينة أسوان، هي واحدة من آخر الأراضي المتبقية من الإمبراطورية النوبية التي ازدهرت قديمًا في جنوب مصر، لكنّ أحفاد النوبيين الآن ممنوعون حتى من وضع أقدامهم هناك، وحين حاولت مجموعة من 150 متظاهرا في نوفمبر الماضي الوصول إلى المنطقة، كان أقرب مكان استطاعوا الوصول إليه هو الجلوس على الطريق خارج المدينة.

وفي مطلع يناير الماضي، أوقفت السلطات المصرية ثمانية شباب لتنظيمهم مظاهرات ضد بيع الأرض التي تقع غرب بحيرة ناصر للمستثمرين، وبعد أيام، استدعت السلطات محمد عزمي رئيس الاتحاد النوبي العام، حيث قال إنهم هددوه بالاعتقال إذا لم يحل هو وزملاؤه الاتحاد، ويجمدون أصوله.

وأضاف عزمي “النوبيون الآن عليهم أن يدفعوا أموالا مقابل الأرض التي يعيشون عليها منذ سنوات”، مواصلًا أنه يعتقد أن خطط إعادة التنمية الحكومية للمنطقة التي تضم موقعا به 17 قرية نوبية، ستفيد عديدا من الناس ولكن ليس المجتمع النوبي.

قديما، غطت الإمبراطورية النوبية مناطق واسعة من أراض مصرية أصبحت الآن تابعة للسودان، وبالنسبة للنوبيين، المنطقة المحيطة ببحيرة ناصر هي آخر ما تبقى من موطن أسلافهم القدامى، لكن بالنسبة للحكومة المصرية فهذه المنطقة مجرد فرصة جديدة للتنمية.

الناشطة النوبية المقيمة في القاهرة فاطمة إمام ساكوري قالت إن “قضية الأراضي النوبية تظهر أن الحكومة لا تهدف إلى دعم مواطنيها لتنمية أراضيهم، ولكنها تفضل اتخاذ الطريق السهل وهو بيع الأراضي إلى المستثمرين”.

في عام 2014، وعد الدستور المصري الجديد النوبيين صراحة بالعودة إلى أراضيهم، لكن في نفس العام خصص الرئيس عبدالفتاح السيسي جزءا من الأراضي المحيطة ببحيرة ناصر كمنطقة عسكرية محظورة، وهي نفس الأرض التي تعدها الحكومة حاليًا لإقامة مشروع زراعي هائل يهدف إلى تحول 1.5 مليون فدان من الأراضي الصحراوية إلى أراضٍ زراعية خضراء.

وحسب تصريحات للرئيس عبدالفتاح السيسي، فإن هذا المشروع لا يعمد فقط إلى تقليل الفجوة الغذائية في مصر، ولكن أيضًا لإنعاش الاقتصاد المصري الذي يصارع، حيث يعتمد ما يقرب من 11% من إجمالي الناتج المحلي على الزراعة.

11230592_10201199159858347_1944347705738716434_n

ولكن، يشير المعارضون للمشروع إلى أن مثل هذه المشاريع الطموحة فشلت في أن تُطبق على الأرض في الماضي، ولهذا يخشى كثيرون من النوبيين خسارة أراضيهم من أجل مشاريع تنمية من المحتمل أن لا ترى النور.

للحكومة المصرية صراع طويل مع تحديات الزيادة السكانية السريعة، لكنّ النوبيين كثيرًا ما عانوا من عواقب ذلك، ففي عام 1960 تم تهجير النوبيين لبناء السد العالي وإنشاء بحيرة ناصر، ما أدى إلى غرق كثير من أراضي النوبة وغمر آلاف السنين من تاريخهم تحت الماء.

تمكن علماء الآثار من نقل معبد أبوسمبل التاريخي طوبة طوبة، إلى تلة صناعية فوق خط الماء، تحت إشراف منظمة اليونسكو، لكن آلاف النوبيين ممن خسروا أرضهم بدؤوا معركة للعودة إلى الأراضي المحيطة ببحيرة ناصر، واستمر هذا الصراع حتى الآن.

وفي نهاية التسعينيات خصصت حكومة حسني مبارك جزءًا من الأرض المتنازع عليها، وهي الأرض المخصصة حاليًا كمنطقة عسكرية، لمشروع توشكى الذي كان يهدف إلى إنشاء وادٍ جديد يروي من بحيرة ناصر، ما يساند فرص تعمير الصعيد، ويدعم ليس فقط الأراضي الزراعية بل أيضًا المصانع والمدارس والمستشفيات، وكانت محطة الضخ التي افتتحها مبارك في عام 2005 في قلب هذه التحركات، لكن العمل على تحويل المياه إلى الأراضي الصحراوية المحيطة كان بطيئًا جدًا.

وأصبح بعد ذلك هذا المشروع مثالا على الفشل الحكومي لسنوات، وتراكمت مشكلاته مثل درجة الملوحة العالية في التربة الصحراوية والتي أدت إلى تلويث المياه الجوفية. قليل من الأراضي الزراعية تم ريها، لكن بقيت الأراضي الصحراوية ممتدة حيث كان من المفترض أن يلمع بريق تنمية الصعيد.

خلق أراضٍ زراعية في بلد يعيش 59% من سكانه على 3% من مساحته يبدو أمرا منطقيا، لكن يقول المعارضون للمشروع إنه من الممكن أن ينحرف بسبب الإدارة الحكومية الفاشلة أو الوعود الكاذبة.

في كتاب أحلام الصحراء للكاتب ديفيد سميث، قال إن “مشروع المليون ونصف المليون فدان هو مشروع هائل آخر تدعمه الحكومة لزيادة رأسمالها السياسي”، مشيرًا إلى أنه “حتى الآن معظم هذه المشروعات مجرد سلسلة من التصريحات”.

ويقول سميث “إن 10 آلاف فدان بحد أقصى هو ما تم استصلاحه بنجاح حتى الآن، والسؤال الآن، عن أي من هذه المشروعات الطموحة قابل للتحقق؟ من الصعب تخمين ذلك في ظل قلة المعلومات المتوفرة حتي بالنسبة للمستثمرين، وما يدعو للقلق أيضًا أن كل المواقع المحيطة بالصحراء تعتمد في ريها على المياه الجوفية فقط”.

وحتى ادعاء الحكومة بأن هذا المشروع سيخلق فرص عمل تحتاجها مصر للغاية وسط ارتفاع معدلات البطالة للشباب، أمر يثير الشك، فحتى الآن التكنولوجيا المستخدمة في هذه المشاريع لم تترك فرصا كبيرة للعمال.

12705576_10201197141447888_6126416656553387091_n

وقال عاطر حنورة رئيس شركة تنمية الريف المصري الهيئة التي تشرف على المشروع تحت رعاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والحكومة المصرية، إن “المشروع يمضي وفق جدول زمني، ولأنه مشروع ضخم سيأخذ أكثر من ستة أشهر لتطويره”، كما أنكر أن المشروع له علاقة بنقل النوبيين، حيث قال إن “المنطقة التي يسعى النوبيون لاستعادتها لا تدخل ضمن نطاق أراضي المشروع”.

على الجانب الآخر يقول النوبيون إن جزءا كبيرا من الأراضي التي تم تخصيصها لمشروع توشكى سابقًا، هي مناطق تابعة لهم، وحين نظموا مظاهرات ضد قرارات تخصيص أراضيهم للمشروع في نوفمبر، منعتهم قوات الأمن من دخول الأراضي التي كانت مخصصة لمشروع توشكى.

تعود الناشطة فاطمة إمام ساكوري لتقول إن “الحكومة لا تلتزم بتعهداتها الدستورية، ناهيك بواجبها في مكافحة التمييز ضد النوبيين”، وأضافت “أراضينا غنية، بالنسبة للسياحة أوالتعدين أو الزراعة، ولذلك يريدون أخذها، لكن إذا استطاع النوبيون الوصول إليها سيتمكنون من تطويرها أفضل من الحكومة، لذلك يمكنهم الاستثمار معنا”.

وتشير العديد من الحملات الحقوقية إلى أن النوبيين يواجهون باستمرار عنصرية وتمييز داخل المجتمع المصري، ويطالبون الحكومة ببذل مزيد من الجهد لحماية ثقافتهم ولغتهم، وبالنسبة لساكوري، تعتبر بيع أراضي النوبيين هو ذروة التمييز ضدهم.

اقرأ أيضًا:

ماذا يحدث في النوبة.. باختصار

مقالات ذات صلة

إغلاق