مجتمع

التسوّق.. الديانة السرية للشرق الأوسط

كيف أصبحت العلامات التجارية  الباهظة وسيلة لتقييم الناس  في الشرق الأوسط

Huffingtonpost- سابا كريم

ترجمة دعاء جمال – محمد الصباغ

“لا يهم إن كانت ماركة (DKNY)، فالحقيبة  جميلة”.

التعليق بدا لي أقرب إلى فخ خاصة مع المجاملة الساخرة التى لحقت به. “أفضل شراء حقيبة قديمة من معرض الأحد بدلاً من حقيبة بشعة ماركة “فالنتينو”، اكتفيت بالصمت ردا على ذلك. أدرك تماما أن ما قيل يعد تناقضا واضحا، حيث أن الربط بين فالينتيبو  وعدم الجاذبية أمر مستحيل. اعتقد أن ما أذهلنى أكثر أنني أدركت أن ماركة “DKNY” تعد قليلة الشأن هنا، وينظر لها بتعال  من قبل بعض الأشخاص من الصحراء!

نحن فى الشرق الأوسط منذ أقل من عام ، لكن أولى انطباعاتنا المستمرة معنا حتى الآن أكدت لنا طبيعة  تلك المنطقة: التركيز غير المتوازن من الأشخاص على الأمور المادية وماركات المصممين. وحيث يتم تقييم الأشخاص بشكل صارم وفقا لحجم ما يمتكلونه من مقتنيات فارهة، والنقاشات الفكرية تبنى على مزايا مختلف الماركات فى الفاعليات المتربطة بالعمل والمناسبات الاجتماعية. ويتجنب قليل من الناس طرح أسئلة حساسة من نوعية: ” كم دفعت ثمنا لها؟”. عانيت من استضافة وحضور تجمعات حيث لم يكن هناك أى موضوع آخر للنقاش إلا عن الماركات.

عندما عشنا فى باكستان، كنا غالباً نتحسر على الطبيعة “البلاستيكية” و”غيرالحقيقية” للشرق الأوسط، وكان الجميع يومؤون بإزدراء. والمثير للسخرية هو أن لدينا نفس النقاشات فى غرفة معيشتنا بالدوحة ومازال الجميع يومؤون، ( نحن ايضاً نفعل). أحياناً وحتى بشكل أقوى من باكستان، فى حين نحارب سراً ذنب خضوعنا نحن للمتلازمة فى مرحلة ما!

هل ذلك بسبب أن تلك المنطقة لا تقدم إلا مراكز التسوق، والتسوق من أجل تحسين مزاج المشتري، والترف والغنى الفاحش؟ هل السبب عدم وجود ضرائب واضحة، لذلك ندفع بسعادة تلك الضريبة الخفية؟ هل لأن قدرتنا الشرائية تزداد عندما نتقاضى مرتباتنا بعملة غير الروبية الباكستانية؟ هل السبب أن شراء ماركة مصمم يساعدنا على الالتحاق بدرجة اجتماعية دون جهد يذكر؟ هل السبب أن تلك الماركات غير موجودة فى الوطن؟ أو هل السبب، على مستوى ما، أن هويتنا أصبحت متصلة بطريقة لا يمكن الخلاص منها بالماركات؟

 كنت فى محل “ديور” مؤخراً، عندما قال لي بائع لبق:”فى نهاية اليوم، هذا شراء عاطفى. عندما تشعرين بالإحباط وتمسكين حقيبة ديور، صدقينى ستجعلك تشعرين بسعادة أكثر”، وابتسم معتقداً بأنه حقق مكسبا وباع بضاعة محله بهذا الكلام المعسول.  كان لكلماته تأثير عكسي علي، وجعلتني أتوقف وأفكر: هل تتوقف سعادتى الآن على حقيبة من ديور؟ إذا كنت أشعر بالإكتئاب ، هل سترفع حقيبة ديور من معنوياتى؟ نعم؟ لا؟ ربما؟ لكن كيف؟ على الرغم أننى وبدون شك ساستمتع بارتداء الحقيبة، تمنيت أن يكون هناك طريقة علمية لقياس مدى الإبهاج أو السعادة التى سيجعلنى هذا الشىء المصمم جيداً أشعر حقاً.

هذا التعلق بالتفوق المادى خلال هذا المشهد التنافسى يصل بنا إلى شىء بسيط مثل إلباس الآباء لأبنائهم، دون أن يأخذوا في الاعتبار كيف يكبر الأبناء سريعاً على ملابسهم. قالت صديقة لى مؤخراً أن إبنة أخيها لا يسمح لها بارتداء أى شىء عدا ماركة “رالف رولن”، من فساتين “بولو” لأحذية “بولو” وحتى عصابات الرأس الصغيرة والجوارب ، دولابها لا يحتوى على أي ماركة أخرى. وبينما قد يبدو هوس الأم برالف لورين غير ضار، لكن كيف يمكن لنفسية الطفل غير المكتملة فهم واستيعاب هذا التركيز على ماركة واحدة؟  ماذا سيعلمها هذا السلوك عن العالم الذى تنشأ فيه؟ هناك عالم اخر غير متوقع يقع وراء كل هذا الترف والماركات الفارهة، ويجب أن نترك أبنائنا يستكشفونه لأنفسهم، بالأخص خلال سنوات تكوينهم.

وهناك حقل ألغام من الأسماء والمناقشات حول المقتنيات الأصلية والمزيفة. هل تعتقدين أن حقيبة يدها من نوع (Chanel) أصلية؟ هل هذه حقيبة سفر أصلية من نوع لويفيتون أم أن اللوجو ليس في مكانه الطبيعي؟ هل هذه الأحذية الجوتشي من منفذ بيع بتخفيض أم اشتريته بسعره الحقيقي؟ ما اشترته من ماركة برادا يحتمل أنها نسخة مقلدة أتت بها من رحلتها الأخيرة إلى بانكوك؟ هذه القائمة من التكهنات تبدو أنها لا تنتهي، فنظرتنا التحقيرية للأشياء لا تتزعزع.

لأكون عادلة وأمينة، الكثير منا لديه هذا الميل المفرط إلى الماركات. في المكان الذى نعيش فيه، لو قابلت أشخاصا في طريقك فإن الكثير منهم قد يفحصون الماركات التجارية التي ترتديها وبناء عليها سيظهرون احتراماً لك، و سيحكمون فوراً على شخصيتك. مؤخراً ارتديت فستاناً من دبنهامز في عيد ميلاد زوجي واستقبلت العديد من الإطراءات عليه. وكانت الأسئلة التي تبعت ذلك مباشرة: ”من أين اشتريتيه؟“ وأستطيع أن أقول إنه في اللحظة التي قلت عن مصدره (الذي لم يكن تحديداً من رف الخصومات!) فجأة اختفى الجمال الفاتن الذي كان يحظى به الفستان من أعين الناس. لم يكن من تصميم أليكسندر مككوين أو ستيلا مكارتني. ولا حتى فيرساتشي أو أرماني. يا للهول.

وعندما نسعى إلى تقليد كل ما يرتديه المشاهير، ننسى التفكير في كيف سيكون شكل التصميم علينا! وسط جنون الرغبة في تملك أي شئ وكل شئ لديه علامة فاخرة، ربما ننسى طابعنا الشخصي وما يبدو جيداً على شخصيتنا كأفراد.

مع نسخنا المحدودة من رولكس، ومحافظنا المصممة جيداً وأحذيتنا الفاخرة (بغض النظر عن مدى راحتنا عندا ارتدائها)، غالباً ما نستسلم لفكرة أن العلامة التجارية ستضفي علينا صفات كالإبداع، والثراء والأخلاق وبالتالي سنكون مرغوبين أكثر. وهناك سؤال يجب أن تسأليه لنفسك عند الشراء: ”هل يمكن أن أترى تلك الأشياء لو لم تكن علامة تجارية؟“

في حين أنني شخص لم يهتم أن يرتدي زوجا متطابقا من الجوارب فقد أكون شخصاً بعيداً عن شهوة العلامات التجارية. اعتاد أبي أن يقول لنا ”يجب أن تتزوجوا للأسباب الصحيحة و ليس لأن جارتكم تمت خطبتها“.

لو عدت واشتريت الحقيبة من “ديور” التي تمنيتها دوماً، فسأفعل ذلك بسبب أنني أحبها بدرجة كافية لأن أدفع فيها 4500 دولار، وليس فقط لأغيظ عدوا لي، أو أن أبني تصوراً عن وضعي المالي الخاص.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق