إعلام

التايم: العفاريت وحدها توحد المصريين

time

مراسلة “التايم” الأمريكية تحضر جلسة “طرد عفاريت” في كنيسة الأب سمعان بالمقطم وتلاحظ تعاون المسلمين والأقباط في هذه المهمة

عن التايم   –  آرين بيكر – ترجمة : منة حسام الدين

 

الشيطان الذي احتلّ جسد السيدة المسنة المسلمة كان قوياً جدا،ً لدرجة لم يستطع إزائها الشيخ المسلم أن يخلصها منه، لذا لجأت عائلتها إلى كاهن مسيحي.

” أمي لبسها جن”، تقول ابنة تلك السيدة، وتشرح أسباب اتخاذ أسرتها المسلمة قراراً بحضور ليلة الخميس الأخيرة من الشهر الماضي في دير سمعان الخراز بالمقطم.

والدتها التي  تجلس على مقعد قريب، لا يبدو عليها أنها تسمع أي شيء، في غضون ساعات قليلة، سوف تبدأ بالصراخ والعويل مع عشرات النساء اللواتي يعانين  المشكلة ذاتها، لكنها الآن، تتطلع فقط فيما حولها وتتمتم لنفسها بهدوء.

اشتدت حدة التوترات بين المسلمين والمسيحيين في مصر منذ الانقلاب العسكري،  الذي أطاح في الثالث من يولية بأول رئيس إسلامي منتخب بطريقة ديمقراطية، و أطلق العنان لموجة من أعمال العنف، فشاهدنا كنائس تُحرق، وكهنة يُقتلون، ومسيحيون يتلقون تهديدات عبر خطب تبث الكراهية في جميع أنحاء البلاد.

لكن هناك على الأقل مجال واحد في الحياة المصرية المعاصرة يظهر فيه التعاون بين الأديان، الجلسة الأسبوعية لطرد الأرواح الشريرة، التي يقوم بها أكثر الكهنة المصريين شهرةً، الأب سمعان إبراهيم، إنه أحد الكهنة القلائل الذين يستطيعون طرد الأرواح الشريرة ـ حتى البابا لا يستطيع ـ وسمعته في طرد الأرواح تتجاوز  رعيته المسيحية.

“الشيوخ المسلمون يستطيعون أيضا طرد الأرواح الشريرة”، تؤكد لنا سيدة  رفضت ذكر اسمها، لكن حالة والدتها تحتاج إلى بعض “العضلات الإضافية :” ذهبنا أولاً إلى مسجد ، لكن العفاريت التي تؤذيها تخشى أكثر الكاهن المسيحي”.

لسبب وجيه، يعتبر الأب سمعان قوة لا يستهان بها، مستلهما أحد المنامات  “رؤية”، قام الأب سمعان بنحت كنيسته بين كهوف وصخور جبل المقطم التي انهارت منذ 20 عاماً.

رعيته كانت من جامعي القمامة المسيحيين الذين يحتشدون في أحد الأحياء الفقيرة كريهة الرائحة عند حافة الجبل، أما في الوقت الحالي، فيتوجه المسيحيون إليه – أغنياء وفقراء-  من كافة أنحاء العاصمة.

تعتبر كنيستة المتواضعة الآن واحدة من أكبر الكنائس في مصر، وتتمتع بشهرة عالمية إذ يتم نقل حشد الجماهير أسبوعياً في بث حي على “فيسبوك”، مما يحفظ تلك المشاهد المصورة في أرشيف على الإنترنت.

 في صلاة ليلة الخميس، حيث يتم طرد الأرواح الشريرة، تقام الطقوس  في مغارة واسعة مضاءة بالكشافات، حيث تمتليء جميع كراسي المغارة الألفين،  مع جوقة مختلطة تقدم الترانيم المسيحية باللغة العربية، في شكل يعد أكثر معاصرة من الطقس الإنجيلي التقليدي المعتمدة أساسا على البخور، العظة تبدو مبهجة، وللآن، تماما كصلاة الأحد، الشياطين هادئة.

لكن ما أن يختتم الأب سمعان صلاته ، حتى ترتفع أصوات العويل والصراخ  في كافة أنحاء الكنيسة، المخبأ بين أركانها كاميرات مستمرة في البث الحي،  يعرف  الشيوخ المسلمون أن أتباعهم يذهبون إلى الكهنة المسيحيين  لطرد الأرواح الشريرة، لكن تصوير مسلمين وهم يحضرون صلاة في كنيسة قد يؤجج التوترات، يتحدث سائق التاكسي “محروس” بصوت خافت ويقول إن هؤلاء الذين تسكنهم الأرواح الشريرة يجلسون في قسم خاص  داخل المكان، وإن أغلبهم من المسلمين :” نادراً ما تتمكن الارواح الشريرة من المسيحيين، لأنهم يتم تعميدهم في الصغر”.

 أربعة متطوعين في الكنيسة يحملون امرأة عجوز، يتلوى جسدها تحت حجاب كبير ، في اتجاه منطقة طرد الأرواح الشريرة، تقطع صلاة المصلين بصراخها الناتج عن طرد الأرواح وتكرر :” لا إله إلا الله”، عبارة التوحيد لدى المسلمين، فيكسر الأب سمعان الذي يرتدي عباءة وقبعة سوداوتين الصلاة، ليطلب بلطف من رعيته التركيز :” لا تعيروا الأمر اهتماماً”.

“الشيطان يريد أن يدمر جمعنا”، تندلع من المنطقة التي تضم المسكونين بالأرواح الشريرة جولة أخرى من  الصرخات الحادة التي تدمر الأعصاب، يستجيب المصلون بتلاوة أكثر ارتفاعاً لصلوات الكاهن:” اسحق الشيطان تحت قدميك، لاتدعه  يتملك منّا”، يصرخ الكاهن من أعلى المنصة.

تنتهي الصلاة، ينتقل الأب سمعان من المنصة إلى منطقة طرد الأرواح، يتقدم وبإحدى يديه صليبه الفضي كمنارة يسترشد بها، بيده الأخرى ينثر الماء المقدس على الحشود بواسطة زجاجة بلاستيكية.

الحضور، مسلمون ومسيحيون، من “الملبوسين” والآخرين القادمين للمشاهدة، الجميع ترتفع يداه نحو الأب سمعان في محاولة لالتقاط قطرات المياه بأيديهم، وعندما ينجحون يفركون وجوههم بها.

يحاولون الوصول إلى لحيته البيضاء الطويلة، يحاولون الإمساك بثوبه، هاهي سيدة تنهار عند قدميه وتبدأ موجة من الصراخ غير المفهوم، يهمس  أحد أقارب السيدة إلى الأب سمعان، يستجيب سريعاً، يميل أكثر نحو السيدة في حين يحاول أحد العاملين في الكنيسة أن يقيم جسدها.

يضع صليبه على رأسها، يتفوه ببعض التعاويذ، ينثر الماء المقدس على وجهها ثلاث مرات، ترتفع السيدة على قدميها، تتجمد في مكانها، ثم تنهار مجدداً، تبعدها أسرتها عن الطريق، ويتحرك الكاهن.

يتنقل الأب سمعان بين الحشود، يتلو الصلوات، يضرب على الرؤوس بالصليب وينثر الماء  المقدس، يُحمل هؤلاء الذين خضعوا للـ”جلسة” بعناية من قبل أقاربهم، أو يتم تركهم للراحة على المقاعد الفارغة، “نحتاجك يا يسوع، نحتاجك يا يسوع”، تهتف متطوعة مسيحية من على الجانب الآخر، ويمسك الأب سمعان بيد رجلين مسلمين من أقارب أحد “الملبوسين” لينضما إلى الطقس، لكنهما يرفضان، صحيح أن الشياطين تخشى الكاهن المسيحي أكثر، لكنها لازالت أيضا تخشى الشيوخ.

مقالات ذات صلة

إغلاق