ترجمات

البصرة.. ما فعلته 4 عقود من الحرب في “فينيسيا الشرق”

لا يوجد تمويل من الحكومة للحفاظ على قنوات البصرة واستعادتها

المصدر: Middle East Eye – Sebastian Castelier

ترجمة: ماري مراد

تهب الرياح الجافة على الدخان الأسود المتصاعد من صفيحة القمامة. ويعبُر ثنائي جسرًا فوق القناة المتهدمة، في حين تتناثر أكوام من القمامة في طريقهما. ويصيح رجل ممسكًا بأنفه: “لقد التقطت بعض الصور لأظهر للعالم كيف أصبحت البصرة”.

اعتاد السيّاح المجيء إلى هنا. لقد أطلقوا عليها اسم “فينيسيا الشرق”، وهي شبكة من القنوات القديمة مشابهة المدينة الإيطالية الشهيرة. لكن البصرة العراقية اليوم، هي ظل لما كانت عليه في الماضي.

وأصبحت قنوات المدينة- التي شيدت بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر عندما كان العراق تحكمه الإمبراطورية العثمانية- منطقة جذب سياحية إقليمية في القرن العشرين.

لكن هذه الأيام انتهت منذ زمن طويل. والآن يمكن رؤية القمامة والزجاجات البلاستيكية والحفاضات المستخدمة وجثث الحيوانات الأليفة عائمة في المياه ذات الرائحة الكريهة. ما دفع رجل شيخ، 85 عامًا، ليصيح: “قبل ذلك، كنت معتاد على الشرب من القناة”.

وفي حين أن صادرات النفط من البصرة تمثل 95% من إيرادات الدولة، “فالمدينة هي الأسوأ في جميع أنحاء العراق فيما يتعلق بحالتها الحضرية”، حسبما ذكرت كاسيليا بييري، الرئيسة السابقة للمرصد الحضري في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، لـ”ميدل إيست آي”.

ومع ارتفاع درجات الحرارة لتصل إلى 50 درجة مئوية، اندلعت الاحتجاجات في البصرة في 8 يوليو، قبل أن تنتشر شمالا حتى العاصمة بغداد. وأدان المتظاهرون نقص الخدمات العامة؛ من بينها جمع القمامة ونقص المياه والطاقة والبطالة والفساد. ما أدى إلى مقتل 16 شخصًا على الأقل وإصابة واعتقال المئات.

ويوم الأحد، أعلن مجلس محافظة البصرة أنه سيقدم عريضة للحكومة في بغداد لتحويل البصرة إلى منطقة حكم ذاتي على غرار حكومة إقليم كردستان في الشمال. ولتهدئة الاضطراب، وعد رئيس الوزراء حيدر العبادي بحزمة من الحلول؛ بينها توفير 10 آلاف وظيفة حكومية واستثمار بقيمة 3 مليار دولار في البصرة.

ورغم هذا، بحسب إبراهيم المرعشي، أستاذ مشارك في التاريخ العراقي بجامعة ولاية كاليفورنيا سان ماركوس: “فهذه المشكلة تسبق الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فالبصرة لم تتعاف حقًا من الحرب العراقية الإيرانية وعقد من عقوبات فرضتها الأمم المتحدة”.

مكان للاحتفال

في بداية القرن العشرين، كانت ضفاف قنوات البصرة – بوابة العراق إلى الخليج – مكانًا حيًا يعيش فيه اليهود والمسيحيون والمسلمون في وئام. وكانت البصرة مشهورة بالشناشيل، التي هي عبارة عن نوافذ مصممة لإضفاء مزيد من الضوء على المنزل ورؤية من بالداخل للشارع دون ظهوره لمن في الخارج.

ووفقًا لبييري، فإن أقدم المنازل التي ما زالت موجودة في البصرة تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي كانت تنقل فيه شحنات التمور على نطاق واسع عبر القنوات إلى شط العرب، وهو نهر تشكله التقاء الفرات ونهر دجلة، نحو دول الخليج.

وخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أصبحت المدينة الساحلية الوحيدة في العراق مكانًا وفيرًا، مستفيدة من الزيادات في عائدات النفط. وجذبت السياح الخليجيين، الذين تستهويهم جودة الحياة، إلى البصرة في رحلات نهاية الأسبوع.

ومن جانبه، قال خليل صالح، من السكان القديمين ويبلغ 68 عامًا: “كان مكانًا للاحتفال. كانت هناك الكثير من الحفلات على متن القوارب، مع موسيقى شعبية وغربية. الناس كانوا يرقصون والخمر كان معروضًا للبيع”.

لكن وصول صدام حسين إلى السلطة في عام 1979 كسر الزخم. وأدى قمع المعارضة إلى إبعاد التنوع الثقافي لبصرة، في حين أثرت الحروب مع إيران والكويت على تراث المدينة التاريخي.

وفي التسعينينات، دفع قرار صدام حسين الكارثي بتجفيف أهوار بلاد ما بين النهرين من أجل معاقبة المقاومة المحلية وإخمادها، إلى تدفق أعداد كبيرة من الناس في البصرة، مما أدى إلى توترات بين سكان الحضر الحاليين في البصرة وجيرانهم الريفيين الجدد.

وقال كادوم، 85 عامًا، متهمًا الوافدين الجدد نسبيًا بالتسبب في التلوث: “هؤلاء لا يهتمون بتاريخ هذا المكان. ولذلك، هم يرمون كل شيء”.

ومنذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، لم يتم إعادة قناة واحدة في مدينة البصرة القديمة. وقال قحطان العبيد، مدير قسم البصرة في هيئة الآثار والتراث العراقية، إنه لا يوجد تمويل من الحكومة للحفاظ على القنوات واستعادتها.

على ضفاف القناة، ينتشر الذباب يجوب حول جثتي كلبين ميتين، وفي هذا المستنقع المتعفن، شاب مقنع يقود قطيع من الأغنام، في حين أنه على بعد أمتار قليلة، يسكب رجل آخر يرتدي دشداشة رمادية محتويات علبة قمامة كبيرة في المجرى دون تردد.

وفي الوقت الحالي، تتدهور شبكة القنوات القديمة، وتتدهور ظروف المعيشة، وتجذب الرائحة الكريهة الجرذان والصراصير.

وقال عبد الحميد طلال، وهو صاحب متجر يبلغ 49 عاماً ويعمل على طول القناة: “لم يعد بإمكاننا العيش بهذه الطريقة”. ومثله، لم يعد الآلاف من السكان يؤمن بالوعود ويطالبون بتغيير فوري.

المباني التاريخية في خطر

مشاكل المدينة تجاوزت القنوات، لتصل إلى المنازل؛ التي يخضع العديد منها بشكل غير شرعي لواضعي اليد. ويقول عبيد ، الذي يشاهد الوضع في صمت: “ما الذي يمكن لوزارة الثقافة أن تفعله عندما تكون ميزانيتها صفر”، مشيرًا إلى أن واضعي اليد يعارضون أي مبادرة ترميم.

ويتابع: “ماذا يمكنني أن أفعل؟ اطردهم ومن ثم سيكون المبنى فارغا. ثم يأتي المزيد من واضعي اليد؟ لا، نحن بحاجة إلى إخراجهم، وجعل المبنى مركزًا ثقافيًا أو شيئًا ما. ولكن في الوقت الحالي لم نخطط بعد لأي شيء”.

على طول القنوات، تم إدراج 150 مبنى تاريخي باعتبار حالته حيد، في حين تم الحكم على 400 مبنى آخر بأنه في حالة متوسطة وحرجة. يقول عبيد: “الكثير من المباني التاريخية تضيع، يومًا بعد الآخر”.

وفي عام 2007 ، قتل زميل عبيد خلال محاولته استعادة السيطرة على ممتلكات القنصلية اليونانية السابقة. ويتذكر عبيد: “أطلق علينا واضعو اليد النار لأننا أردنا طردهم”.

المبنى- المؤلف المصنوع من طوب أحمر جميل وخشب ونوافذ ملونة- يحرسه الآن شرطيان على مدار السنة ومكتب عبيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق