سياسة

الإيكونوميست: عودة قومية الدم والأرض

الإيكونوميست: عودة قومية الدم والأرض

الإيكونوميست: لماذا تكسب القومية أرضًا حول العالم؟

الإيكونوميست

ترجمة: محمد الصباغ

بعد انتفاضة الفقراء ضد لويس السادس عشر عام 1789 (الثورة الفرنسية)، تم إعلان الحقوق العامة للإنسان والمواطن. لم يسر جيش نابليون الكبير نحو مجد فرنسا فقط، بل إلى الحرية والمساواة والإخاء. على النقيض، القومية الوليدة بعد عدة عقود من وحدة ألمانيا عادت تنصت إلى ما كانت عليه بالسابق: الدم والأرض. إيمان رومانسي وخاص بالعرق والعادات التي كانت وحدها تشكل الانتماء الوطني. حين حاربت الجموع الألمانية الغفيرة من أجل نفسها وضد العالم.

كل المجتمعات بنيت على القومية بشكل أو بآخر من أجل رسم العلاقات بين الدولة، المواطن والعالم الخارجي. ويشير عالم الاجتماع الأميركي كريج كالهون، إلى أن النخب العالمية، التي أحيانًا تتشوق إلى نظام ما بعد القومية، تقلل في تقديراتها لتأثير القومية على النظرية السياسية الاجتماعية والحجج العملية والديمقراطية والشرعية السياسية وطبيعة المجتمع نفسه.

من المزعج إذن انتقال عدد من الدول من القومية المدنية والعالمية إلى قومية الدم والأرض، بنوعها العرقي. ومع تحول الوطنية الإيجابية إلى قومية سلبية، يتحوّر التماسك إلى انعدام ثقة في الأقليات، المتواجدة بأعداد متزايدة. (كما في الرسم البياني).

حب الفرد لوطنه والروح التي تجبر الأميركيين على تحية النجوم والخطوط، والنيجيريين على الابتهاج بالنسور والبريطانيين على أقداح شاي عليها صورة دوقة كامبريدج- يتم استبداله بنظرة من انعدام الثقة نحو هذا العالم.

بعض التصورات في محلها. المقارنة بفترة الثلاثينيات أمر سخيف. فالقومية الشمولية انقرضت إلا في كوريا الشمالية، حيث العائلة الحاكمة تتبنى خطابا غريبا يمزج بين الماركسية والنقاء العرقي، وتضع المعارضين في مخيمات عمل استعبادية. وربما أيضًا يمكننا إضافة إريتريا، ديكتاتورية صغيرة لكن بشعة. ويتضح أن شكلا شاملا من القومية، يرتكز على العرق، صار أكثر شعبية. في الديمقراطيات الغنية، هو شكل فعال للفوز بالأصوات. وفي الأنظمة الاستبدادية، يفرضه الحكام لإلهاء الناس عن افتقادهم للحرية وأحيانًا الطعام. والسؤال هو: أين يزدهر ولماذا؟

المثال الأقرب هو دونالد ترامب، الذي أقنع 61 مليون أميركي بالتصويت له عندما وعدهم ببناء سور على الحدود مع المكسيك، وطرد المهاجرين غير الشرعيين و”جعل أميركا عظيمة مرة أخرى.” الدعوات المسمومة إلى التضامن العرقي أو العنصري، ليست جديدة على السياسة الأمريكية، أو منحصرة في حزب واحد. فقد قال نائب الرئيس، جو بايدن، لأحد الحضور من ذوي البشرة السمراء إن ميت رومني، الجمهوري اللطيف لدرجة الملل سوف “يضع جميعكم أيها السود في الأغلال.” لكن لم يقترب أي رئيس أميركي في الوقت الحديث من مظاهر شوفينية ترامب.

سيشجع انتصاره القادة حول العالم ممن يشبه تفكيرهم أفكاره. نايجل فاراج من حزب الاستقلال البريطاني، السياسي المسؤول عن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، زار بالفعل ترامب، وهنأه بابتسامة كبيرة جدًا. كما ابنتهج كثيرًا، فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري المعادي للمهاجرين وقال: “يمكننا أن نعود إلى الديمقراطية الحقيقية.. يا له من عالم رائع.”

التبعات على الاتحاد الأوروبي قد تكون كارثية. لم يعد المصوتون في فرنسا يستبعدون فكرة أن مارين لوبان، قائدة الجبهة الوطنية وصاحبة الكاريزما، ستفوز بانتخابات الرئاسة العام المقبل. ومقارنة ببقية المصوتين الأوروبيين، الفرنسيون يعارضون بشكل بارز العولمة والتجارة الدولية، ويعتقد القليلون منهم أن للمهاجرين تأثيرا إيجابيا على بلادهم.

تعهدت السيدة لوبان بأنها ستخرج بفرنسا من الاتحاد الأوروبي وستدعو لاستفتاء على الخروج من الاتحاد. العملة الموحدة لن تستطيع الصمود بعد انسحاب فرنسا. ولو دعم الفرنسيون الخروج، قد ينهار الاتحاد الأوروبي بشكل كامل.

افترضت النخب الأوروبية مرة أن الهويات الوطنية ستتحول حتمًا إلى مزيج قاري. لكن الزخم الآن مع أحزاب مثل الجبهة الوطنية، يشمل حزب فيديز في المجر، وحزب القانون والعدالة في بولندا وحزب الحرية النمساوي (الذي قد يفوز زعيمه نوربرت هوفر، بشكل كبير بالرئاسة الشرفية في الشهر القادم.) لغة السيدة لوبان نموذج. تستدعي النوستالجيا والقلق والعداء للنظام العالمي الليبرالي. (“لا لبروكسل، نعم لفرنسا”، كان أحد الشعارات.) أبدت أسفها على تراجع الفخر الشعبي وتعهدت بجعل فرنسا عظيمة مرة أخرى.

على عكس ترامب، لم تطالب لوبان أبدًا بحظر للمسلمين من دخول البلاد، لكنها تحدثت عن مواجهة موجة الهجرة الكبيرة. وكمحامية، دافعت عن أرائها مع الإشارة إلى القوانين الفرنسية التي تبقي الدين بعيدًا على الحياة العامة. وفي بوستر لحملة الجبهة الوطنية الانتخابية خلال الانتخابات المحلية لعام 2015، جاء صورة لوجهي امرأتين: الأولى بشعر متدفق والألوان الثلاثة للعلم الفرنسي على خديها، بينما ترتدي الأخرى برقع. وكُتب تعليق على الصورة: “اختر حيّك: صَوِّت للجبهة.”

شعبية لوبان جذبت السياسيين الآخرين إلى منطقة مشابهة. يريد نيكولا ساركوزي الوظيفة مرة أخرى. وصرح في فعالية انتخابية مؤخرًا أنه بمجرد أن تصبح فرنسي، “فأجدادك هم الغاليون.” وفي أخرى، تحدث ساركوزي عن الأطفال الذين لا يريدون تناول لحم الخنزير في المدرسة، وأشار معنى حديثه إلى أنه حتى غير المسيحيين الذين يفرض عليهم دينهم قيود في تناول الاطعمة المقدمة لهم، ليسوا مؤهلين للانضمام إلى هذه المدارس. في ما قال باتريك مويسي من معهد مونتين، إن فرنسا تشهد “قومية دفاعية.. تعتمد على قلة الثقة وغلو سلبي في الوطنية: الفكرة هي أن علي الدفاع عن نفسي ضد تهديدات الآخرين.”

هناك شيء مشابه يبدأ في الصعود بأماكن أخرى في أوروبا، أيضًا. في عام 2012 قام حزب الديمقراطيين السويدي، القومي، بوضع إعلان تليفزيوني يظهر الخوف الشعبي من نظام الرفاهية والسخاء في البلاد وأنه قد لا يستمر أمام التدفق الكبير للفقراء، المسلمين طالبي اللجوء الذين يتكاثرون بشكل كبير. ووفقًا للاستطلاعات الحالية فالحزب هو الأكثر شعبية في السويد حاليًا.

وفي هولندا هناك جيرت فيلدرز، قائد حزب من أجل الحرية المعادي للمسلمين والمهاجرين، وتتم محاكمته حاليًا لنشر “خطاب الكراهية” وجعل أنصاره يهتفون بأنهم يريدون “مغاربة أقل” في البلاد. وتضع الاستطلاعات الحزب في المرتبة الأولى أو الثانية قبل الانتخابات الوطنية التي تقام في مارس، وارتفعت شعبية الحزب منذ بداية المحاكمة.

حتى قبل مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، فإن مجرد الاحتمال جعل البلاد أفقر: تراجعت العملة بنسبة 16% في مقابل الدولار.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا يبدو متيقنًا مما قد يفعله حيال نجاح ترامب. على الرغم من ترحيبه بتعهد ترامب بإصلاح العلاقات مع روسيا، لكن لو  انتهى وضع أمريكا كعدو، سيبحث له عن عدو آخر. لإيمان بوتين الأساسي في دولة قوية يقودها بنفسه، لكن منذ وصوله إلى السلطة لأول مرة عام 2000، سخّر النزعة القومية العرقية إلى هذه النهاية. واجه في عام 2011 مظاهرات ضخمة قامت بها الطبقة الوسطى الحضرية الغاضبة بسبب كل من الفساد وعدم التحكم في هجرة أشخاص ليسوا من العرق السلافي. رد فعله كان بإثارة حمى الإمبراطورية. وعندما قررت أوكرانيا الاقتراب من الغرب، قام بضم شبه جزيرة القرم واجتاح شرق أوكرانيا. وصورته وسائل الإعلام المحلية على أنه ينقذ العرق الروسي من “الفاشية الأوكرانية”.

مع تراجع أسعار النفط، وبعد فترة طويلة من الركود الاقتصادي، صارت القومية هي طريقة بوتين للإبقاء على شعبيته. نسخته منها تشمل رفض القيم الدولية الليبرالية التي روج لها الغرب طويلًا. ويضح ذلك سبب دعمه الحماسي للأحزاب القومية غير الليبرالية في أوروبا الغربية، مثل حزب الجبهة الذي تقوده لوبان. وقال في عام 2013: “نحن نرى كيف تأثرت  الدول الأوروبية التي تطل على الأطلنطي بسبب تخليها عن جذورها، من بينها القيم المسيحية. وقارن ذلك بالتعريف بنسخة عرقية من روسيا حيث قال إن “حضارة الدولة تجمع سويًا كل من الشعب الروسي، واللغة الروسية، والثقافة الروسية، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية.”

وفي الصين هناك نسخة مشابهة من القومية العرقية يمارسها الحزب الشيوعي. يسعى الحزب لطمس الخط الفاصل بينه وبين الدولة، ولكسب شعبية الآن حيث إن النمو الاقتصادي، والذي طالما كان أساس مطالبته بالسلطة، تراجع. وسريعًا بعد وصوله إلى السلطة في عام 2012، بدأ شي جين بينج “الحلم الصيني” وهو شعاره لمرحلة “الإحياء العظيم” للدولة. تمتد مرحلة “التربية الوطنية” من المدارس الابتدائية حتى طلاب الدكتوراه.

عادة تحمل الحكومة “قوى أجنبية معادية” مسؤولية الأشياء التي لا تقبلها، مثل المظاهرات في هونج كونج أو شينجيانج، المقاطعة النائية في غرب البلاد حيث أقلية الإيغور مستاؤون من حكم الهان. وتحاول محطات التلفزيون الحكومية أن تجعل الدول الأخرى تبدو غبية وخطرة. تصاعد الخطاب ضد الغرب. وفي 2015 طالب وزير التعليم الصيني بحظر “الكتب المروجة للقيم الغربية” في مراحل التعليم العالي.

انتصار الصين العظيم صد اليابان أصبح محور دروس التاريخ (بغض النظر أنه في الواقع كان صراعًا بين منافسين شيوعيين، وحزب الكومينتانج الصيني هو من أدى معظم القتال.) وفي عام 2014 تم إضافة 3 أيام للعطلات الوطنية: ذكرى يوم مذبحة جانجينج حيث قتل أكثر من 300 ألف على يد اليابانيين في عام 1937، و”يوم النصر” الذي أعلنت فيه اليابان الاستسلام لتنتهي الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى “يوم الشهداء” المخصص لمن قتلوا أثناء الحرب ضد اليابان.

عدو عدوي

ربما من المثير للدهشة، بعيدا عن الغلو في النعرة الوطنية، يرى الآن الكثير من الصينيين الشؤون الدولية على أنها لعبة صفرية، مؤمنون بأنه حتى تشرق الصين يجب أن يغرب الآخرون.

كانت الدعاية الإعلامية مؤثرة جدًا لدرجة أن الحكومة لم تعد تعلم ما إذا كان بمقدورها التحكم في المشاعر التي أججتها. في عام 2012 اندلعت تظاهرات في أنحاء الصين ضد مزاعم اليابان بشأن جزر في بحر الصين الجنوبي: تم تخريب المحلات وتدمير السيارات يابانية الصنع وانتشر القوات الامنية لحماية السفارة اليابانية في بكين. وتراقب الحكومي الآن المنشورات الأكثر غضبًا على الإنترنت حول الموضوعات القومية.

عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري المستبد، يستخدم كل موارد البلاد للترويج لفكرة أنه أب لدولته. يلقي نظامه بمسؤولية كل شيء على الإسلاميين: عندما سببت الأمطار الغزيرة سيولًا في الإسكندرية العام الماضي، ألقت وزارة الداخلية بالمسؤولية على الإخوان المسلمين زاعمة أنهم سدوا البالوعات. وفي الصيف الماضي، بعد التفاخر بإنفاق 8 مليارات دولار على توسعة قناة السويس، أعلن اليوم عطلة عامة وأبحر في الممر المائي بزيه العسكري الكامل، وحلقت الطائرات من فوقه. وأذاع تليفزيون الدولة لقطات مصورة للقناة الجديدة مع موسيقى مسلسل “لعبة العروش” الشهير.

وفي تركيا، هناك قصة مشابهة تُروى، الدولة التي منذ سنوات قليلة كانت على مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي. الآن، رئيسها رجب طيب إردوغان يتعهد ببناء “تركيا الجديدة”، وبشجاعة يواجع المخططات الانقلابية وعواملها المساعدة الغربية. حضر مؤخرًا مؤتمرًا حاشدًا للاحتفال بفتح القسطنطينية عام 1453. واتهم حلفاء تركيا الغربيين أصحاب الوجهين بأنهم يحاولون “إنعاش ركود الصليبيين”. مثل هذا الخطاب كان هدفه تبرير القبض على 36 ألف شخص منذ محاولة الانقلاب في يوليو.

القومية العرقية في الهند، لم تبتعد عن السطح أبدًا، والآن تنشط بشدة. منذ عام 2014 بدأ حكم نيرندرا مودي، من حزب الهندوس القومي “بهاراتيا جاناتا”. يسعى الحزب لإبعاد نفسه عن الحزب القومي الهندوسي المتطرف “هيندوتفا”، والذي ينتقد “نعومته” مع باكستان، والمسلمين الذين يضرون بالأبقار (التي تقدس في الهند). والسيد “مودي” لبق ومناصر لعمل وودود نحو الغرب. لكنه أيضًا، عضو طوال حياته في منظمة المتطوعين الوطنيين (RSS)، المجموعة الهندوسية التي تأسست عام 1925.

أعضاء المنظمة (RSS) يسيرون بمواكب استعراض عسكرية، ويساعدون السيدات في عبور الشارع، ويحملون الأخف وزنًا- وأحيانًا يتم تجنيدهم لجماعات متطرفة تهاجم الطلاب اليساريين. وفي العام الماضي قال وزير الثقافة في وزارة “مودي” إن الرئيس السابق كان وطنيًا “على الرغم من كونه مسلمًا.” ويشغل الوزير منصبه إلى الآن.

يسعى “هيندوتفا” إلى تمثيل كل الهندوس، الذين يمثلون أربعة أخماس السكان في الهند. يتعهد بإعادة إحياء الأمة، وعودة للماضي المثالي وإستعادة الهوية الأصلية. ويرى أتباعه أنهم أناس صادقين يحاربون فساد المتحررين من القومية. كما فرضت منظمة المتطوعين الوطنيين (RSS) نفسها بشكل كبير على التعليم ووسائل الإعلام. وتقوم بعض الولايات بتدريس الكتب التي ألفها محاضرون من المنظمة للقيام بدور قادة هيندوتفا وتهميش الآخرين الأكثر علمانية.

كما اتجه حزب بهاراتيا جاناتا بقوة نحو السيطرة على القضاء من خلال تعيير قواعد التعيين، لكنه يواجه مقاومة قوية. لا يتحكم في كل الولايات في الشرق أو الجنوب. الكثير من المخبة المتعلمة يستخفون به.

إذن لن تسير الهند بسهولة نحو الاستبداد التركي، لكن الكثير من الهنود العلمانيين والليبراليين يشعرون بالغضب.

الأمم مرة أخرى

التحري عن جذور القومية يشبه السؤال عما يجعل الناس تحب عائلاتها أو يخشون الغرباء. أشار الباحثون إلى أن الأمم تبنى حول اللغة والتاريخ والثقافة والأرض والسياسة دون القدرة على الاستقرار بعنصر واحد فقط.،والسؤال الأفضل هو: ما الذي يحول ذلك الانتماء القومي إلى انتماء إلى عنصر واحد؟  هنا عدة نظريات.

في الدول الغنية، كما يشير الرسم المرفق رقم 3، النمو البطيء يتسبب في تراجع دعم العولمة. عدم المساواة أمر مؤلم، أيضًا. ربما الأشخاص المتعلمون في حال جيد فقط، لكن أصحاب الياقات الزرقاء من العمال غالبًا يعانون. قام ترامب بعمل جيد جدًا بين أصحاب الياقات البيضاء والزرقاء من المصوتين. وأحد أهم العوامل التي نبأت بالخروج البريطاني أو بالسيدة لوبان هو الاعتقاد بأن الأمور كانت أفضل في الماضي.

في الدول النامية، النمو غالبًا أسرع ودعم العولمة اكبر. لكن الشعوب تواجه متاعب بداية من تلوث الهواء إلى جشع المسؤولين. وبالنسبة للقوميين الجدد مثل السيسي وبوتين، القومية هي طريقة رخيصة وسهلة لبث الحماس في الدولة، ولتحويل المسؤولية بعيدًا عنهم في أي خطأ.

القومية الجديدة تدين بالكثير لعوامل ثقافية، أيضًا. الكثير من الغربيين، وخصوصًا الأكبر سنًا، يحبون بلادهم كما كانت ولم يطلبوا الهجرة أبدًا، تلك التي جعلت من أوروبا أكثر إسلامًا ومن أميركا أقل في البشرة البيضاء والبروتستانتية، ويعترضون حينما توصف مشاعرهم تلك.

النخبة الليبرالية تؤكد على وجود مصدرين للهوية: أن تكون مواطنا دوليا جيدا (يهتم بتغير المناخ والورش التي تستغل الأطفال في بنجلاديش)، والانتماء لهوية مجموعة لا تمتلك ما تفعله تجاه الأمة (البيضاء، مثلية الجنس، البوذية، إلخ.) أن تكون عضوا في مجموعات هوية معينة يمكن أن يعود عليك بفوائد مادية ونفسية. هذا النوع من العمل الإيجابي الذي يتم ممارسته في أميركا يعطي حتى للأعضاء الأغنى من الجماعات العرقية التي فضلونها ميزة لا يجدها الأعضاء الأفقر في الجماعات غير المفضلة.

لا يحب القوميون تقسيم بلادهم إلى مجموعات حسب الهوية، وخصوصًا حينما توصف تلك المجموعات بأنها الوحيدة النقية أو الطاهرة لاختلافها فقط مع التاريخ المهيمن في السابق على الأمة. بدأ الأمريكيون من أصحاب البشرة البيضاء في التعامل كما لو أنهم جماعة ضغط أقلية.

وأخيرًا، وسائل التواصل تسببت في تسريع انتشار القومية الجديدة. سمح فيسبوك وتويتر للأشخاص بالالتفاف حول وسائل الإعلام العالمية وما تقوم به من عملية تنقية، والحديث إلى الآخرين وتبادل الأخبار وتنظيم المسيرات. وصلت تغريدات ترامب إلى الملايين.

في كثير من الدول يرتفع أعداد الذين تلقوا تعليمًا جامعيًا بين السكان. في فترة ما قبل الحرب، 5% من البريطانيين البالغين كانوا قد التحقوا بالجامعة، والآن أكثر من 40% من خريجي المدارس في الجامعات. وفي ألمانيا هناك 2 مليون مواطن في مرحلة التعليم العالي حتى عام 2005، وبعد عقد من ذلك ارتفع العدد إلى 2.8 ملايين.

وبالنسبة للهجرة، التي أسهمت بشكل كبير في تغذية القومية العرقية، قد تساهم -مع ميلاد أجيال جديدة في مجتمعات متنوعة- في مواجهة هذه القومية.

مقالات ذات صلة

إغلاق