سياسةمجتمع

الأمريكي العظيم توماس جيفرسون “مسلم متنكر”

الأمريكي العظيم توماس جيفرسون “مسلم متنكر”

نيو ريبابليك – عباس ميلاني – إعداد وترجمة: محمد الصباغ

في أحد حملات التشويه خلال انتخابات رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، اتهم أحد المرشحين من قبل معارضيه بأنه مسلم ويخفي الأمر. بعض المسيحيين ”رأوا كل المسلمين كعملاء لخطأ ديني وتهديد أجنبي.“ كما كان المجتمع المسيحي يأمل في الحفاظ على ”أمريكا مسيحية بروتستانتية نقية“، وكان هناك قلقاً من أن الغرباء قد يستولون على السلطة في البلاد ورأوا أن ”الإقلية… اليهود والمحموديين (الأتراك) والملحدين بيننا“ ،باسم الحكمة والعدالة، يجب أن يتم استبعادهم من ”المناصب العامة.“ كان ذلك في فترة 1790، وكان هذا المرشح الرئاسي هو توماس جيفرسن، والذي كان وفقاً لكتاب دينيس سبيلبيرج –قرآن توماس جيفرسن: الإسلام ومؤسسيه- أول شخص في تاريخ السياسة الأمريكية يعاني من تهمة زائفة بأنه مسلم، واعتبر الاتهام السابق كذبة بروتستانتية في القرن الثامن عشر.

في كتاب سبيلبرج، تعود الكاتبة إلى توثيق تلك الأوقات العصيبة والجهود التي بذلت من أشخاص بعينها لصناعة دستور يسمح لأي شخص يقسم بالولاء للدولة بأن يصبح ليس فقط مواطناً أمريكياً بل حتى رئيساً لها.

كان جيفرسون مصراً على وجود دستور فيه ”لا يجب استبعاد المحموديين واليهود وغيرهم من الحقوق المدنية بسبب دينهم.“ (مر حوالي 150 عاماً قبل أن تمنح حق المواطنة الكاملة للمرأة ويمكن إعادة صياغة كلمات جيفرسون لتصبح دينه أو دينها). كانت فكرة الرئيس الأمريكي المسلم أو المواطن المسلم مجردة بالنسبة لجيفرسن، فهو لم يكن يعلم بوجود مسلمين بالفعل في أمريكا آنذاك، جاؤوا كعبيد من قارة إفريقيا.

ويعد جيفرسن ،الذي ولد في إبريل 1743 وتوفي في يوليو 1826، من مؤسسي دولة الولايات المتحدة الأمريكية، وكان أول وزير خارجية لأمريكا في الفترة بين (1790 – 1793) في عهد الرئيس جورج واشنطن، وأصبح الرئيس الثالث للدولة  منذ عام 1801 حتى عام 1809، كما أنه كان الكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال عام 1776.

كما صاغ ووقع جيفرسن في فترة رئاسته الثانية على قانون يمنع جلب العبيد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كجزء من جهوده نحو مبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان.

تواصل الهجوم ضد المسلمين خلال تلك الفترة، وعلى رأسها أول مسرحية كانت عن الإسلام تعرض في أمريكا وكانت تهاجمه بشدة وكتبها فرانسوا ماري آرووت الشهير بفولتير. وعرضت في باريس عام 1742، وفي لندن عام 1776 ثم انتقلت إلى أمريكا عام 1780، ووسط ذلك ظهر أشخاص آخرين لا يطالبون فقط بالتسامح مع المسلمين بل بحقوق مساوية لهم مثل جون لوك وجورج سيل. وكان جيفرسن يعتبر لوك من بين ”أفضل ثلاثة عظماء جاؤوا إلى العالم“، مع إسحاق نيوتن وفرانسيس باكون. ترجم جورج سيل القرآن، ولكنه لم يكن من ثلاثي جيفرسن المفضل، لكن نسخة من بين ترجماته للقرآن والتي طبعت عام 1744، احتفظ بها جيفرسن في مكتبته.

وفي كتاب سبيلبرج قالت ”جيفرسن لم يشارك بأي آراء معادية للإسلام كمعاصريه، وسياسياً، قام بدور مؤثر في استخدام خطبه لإلهامهم.“ كما كان له موقفاً واضحاً في إيمانه بحق الشخص في اختيار معتقده، وأن ذلك الأمر ”هبة طبيعية“.

تقوم سبيلبرج بتدريس (آيات شيطانية) حيث أنها تعمل كمدرسة تاريخ بجامعة تكساس، ويعلم الجميع بالطبع ما حدث لمؤلف هذا الكتاب ،سلمان رشدي. وذلك بالرغم من أنها منعت نشر أحد الكتب بحكم منصبها بسبب أنه لا يستند على حقائق تاريخية مؤكدة. ويفتح ذلك الباب على احتمالية امتلاك شخص ما ل(فيتو) على البتّ في التاريخ ”الحقيقي“

رسالة جيفرسون لوقتنا الحالي ليست في أننا يجب أن ننحني لإرادة الإقلية أو الأغلبية بتطبيق قوانينهم بالكامل سواء مسلمين أو يهود أو أي أديان أخرى، بل على العكس، رسالته هي أن أي مجتمع يصبو إلى الديمقراطية –سواء كانت أغلبيته مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو ملحدة- يجب أن تقلل من مجال الدين في الحياة العامة ويبعد كل القوانين المقدسة إلى حيز خاص، ويكون الاتجاه نحو عقد اجتماعي جديد فيه يكون البهائيين واليهود، والرجال والنساء، والمثليين والمثليات، متساوون أمام القانون. وتعد تونس هي الدولة الإسلامية الأولي التي يبدو أنها تتحرك في هذا الاتجاه. وأي شئ آخر لا يتماشى مع ما دعا له جيفرسن.

عباس ميلاني – مدير الدراسات الإيرانية بجامعة ستانفورد*

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق