“إنهم في كل مكان”.. الأيام الأخيرة قبل اغتيال صحفية “وثائق بنما”

نجل دافني: نظرت إلى أشلائها المتناثرة وأدركت أنها كانت على حق

قتلت “دافني” ظهر الإثنين في انفجار استهدف سيارتها

الجارديان

إعداد وترجمة: فاطمة لطفي

استقبل العالم أمس الإثنين، خبر مقتل المدونة والصحفيّة الاستقصائية، دافني كاروانا غاليزيا، التي وصفتها مجلة “بوليتكو” الأمريكيّة بـ”السيدة الأولى لويكيليكس” والصحفيّة الشجاعة التي قادت التحقيقات المعروفة بـ”وثائق بنما” وكشفت عن وقائع فساد ضخمة في بلادها مالطا.

وقتلت “دافني” ظهر أمس في تفجير بعبوة ناسفة استهدف سيارتها بعد مغادرتها منزلها في “بيدنيجا” بمالطا، وتسبب الانفجار “الشديد” في تناثر بقايا السيارة عبر الطريق.

وقال نجلها، ماثيو، صحفيّ استقصائيّ، إن والدته قتلت لأنها وقفت بين سيادة القانون ومن يريدون خرقه، مثلها مثل الكثير من الصحفيين الأقوياء والشجعان ووصف مقتلها بأنه “جريمة غير عادية” في” دولة عصابات، حيث مؤسسات الدولة عاجزة عن القيام بمهامها.

من هي “دافني”؟ 

مدونة وصحفيّة استقصائيّة مالطيّة تبلغ 53 عامًا، عرفت بقيادتها لتحقيقات “وثائق بنما” الاستقصائيّة وكشفها لمعلومات خطيرة تتعلق بالفساد والتهرّب الضريبي وغسيل الأموال في بلادها، كما أنها زوجة وأم لثلاثة أبناء.

بدأت العمل كصحفيّة عام 1987. وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي عملت كمحررة عمود في صحيفة “The Sunday Times of Malta” ومحرر مشارك في “The Malta Independent”، وتدير مدونة بعنوان “Running Commentary” جذبت إليه آلاف القراء، وتحتوي على تقارير استقصائية وكانت واحدة من أشهر المواقع الإلكترونيّة في مالطا.

اعتقلت في الثامن مارس 2013 بسبب خرقها للصمت الانتخابيّ قبل الانتخابات العامة التي عقدت آنذاك، بعد نشرها مقاطع فيديو تسخر فيه من رئيس الوزراء المالطيّ جوزيف موسكات، زعيم المعارضة وقتئذ. واستجوبتها الشرطة وأطلق سراحها بعد ساعات قليلة.

اقرأ ايضاً :   النيابة شاهدت الكاميرات: إسلام عطيتو حضر الامتحان يوم مقتله

Image result for daphne caruana

تهديدات بالقتل وإدانات واسعة

ذكرت تقارير إعلاميّة محليّة أن “دافني” تقدمت ببلاغ للشرطة بسبب تلقيها تهديدات بالقتل قبل أسبوعين من مقتلها، وكتبت في تدوينة أخيرة قبل مرور ساعة تقريبًا من مقتلها جاء فيها “المحتالون في كل مكان.. والوضع محبط”.

وأشار أحدث تحقيق صحفيّ للصحفيّة القتيلة بأصابع الاتهام إلى موسكات، واثنين من مساعديه المقربين في ما يتعلق بشركات “الأوف شور” التي ارتبطت بثلاثة رجال يبيعون جوزات سفر مالطيّة ويتلقون أموالا من حكومة أذربيجان.

وأدان “موسكات” مقتل الصحفيّة واصفًا إياه بـ”هجوم بربريّ على حرية الصحافة”، وأعلن أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكيّ وافق على إرسال فريق من الخبراء لمساعدة الأجهزة الأمنيّة المحليّة في التحقيقات “لن أهدأ حتى تسود العدالة في هذه القضية”.

وتابع: “الجميع يعرف أن “دافني” كانت ناقدة شديدة لي على المستويين الشخصي والسياسي، لكن لا شيء يبرر أبدًا هذا الفعل البربري”.

وفيما استهدفت “دافني” في تحقيقاتها الحزب الحاكم ومؤيديه بشكل رئيسي، إلا أنها حوّلت انتقاداتها في الآونة الأخيرة إلى المعارضة المالطيّة التي يتزعمها “أدريان دليا” والذي وصفها بأنها ضحية “جريمة سياسيّة” وطالب بإجراء تحقيق مستقل في مقتلها.

صورة من موقع الحادث

“وثائق بنما”

كانت “دافني” مدركة لتورط الوزير “كونراد ميززي” ورئيس الأركان المحتجز حاليًا رهن التحقيق “كيث شمبري” في قضايا فساد قبل التسريب الضخم لوثائق بنما في إبريل 2016.

وزعمت “دافني” عام 2017 أن شركة “Egrant” إحدى شركات بنما، مملوكة لميشيل، زوجة رئيس الوزراء المالطيّ موسكات. أسفرت المزاعم عن دعوة موسكات لانتخابات عامة مبكرة في يونيه 2017 والتي فاز فيها، وأدت إلى بقاء حزب العمال حزبًا حاكمًا في السلطة، ونفى هو وزوجته المزاعم السابقة.

وكشف تحقيق استقصائيّ صحفيّ نشره “الاتحاد الدوليّ للصحفيين الاستقصائيين” ومقره واشنطن، يضم أكثر من 100 صحيفة في إبريل العام الماضي، عرف بـ تحقيق “وثائق بنما” وقائع فساد إذ بحث في تعاملات ماليّة خارجية لسياسيين ومشاهير وشخصيات نافذة حول العالم استندت إلى 11.5 مليون وثيقة.

اقرأ ايضاً :   نصف قرن على النكسة.. تحديات عربية

وسربت الوثائق آنذاك من شركة “موساك فونسيكا” الرائدة في مجال الخدمات القانونيّة في بنما، واحتوت بيانات ماليّة لأكثر من 214 ألف شركة في ما وراء البحار في أكثر من 200 دولة ومنطقة حول العالم.

وأظهرت الوثائق تورط عدد من الشخصيات العالمية بينها 12 رئيس دولة حاليين وسابقين، و143 سياسيا في أعمال غير قانونية مثل التهرّب الضريبي وتبييض أموال في شركات عابرة للبحار.

“ماتت بسبب عجزكم”

قال ماثيو إن والدته كانت مستهدفة لأنها الشخص الوحيد الذي كان يسعى لسيادة القانون ومنع خرقه “هذا يحدث عندما تكون مؤسسات الدولة عاجزة عن أداء مهامها، لذا آخر شخص سيغادر المشهد سيكون صحفيًا، وهو أوّل من سيتم استهدافه”.

وواصفًا اللحظات الأخيرة، قال إنه لن ينسى اللحظة التي ركض فيها فور سماعه دويّ الانفجار، ومحاولته فتح باب السيارة وإنقاذها، وصراخه في رجليّ شرطة وُجِدا في موقع الحادث. قالوا له “نأسف، لن نستطيع فعل شيء”.

نظر إلى أشلاء جسدها المتناثرة وأدرك أنهم على حق، لا يمكنهم فعل شيء “ماتت بسبب عجزكم”.

فاطمة لطفي

فاطمة لطفي