سياسة

أولف ليسينج: كيف تخليت عن أوهامي عن الثورة الليبية؟

رواية شاهد عيان على تبدد الآمال في ثورة ليبيا رغم إمكاناتها  العظيمة

 

libia

رويترز

في أواخر العام الماضي كنت جالسا في وزارة الخارجية في طرابلس عندما وجه حارس بندقية‭‭ ‬‬صوب زميل إلى جواري ثم دفعه بعد ذلك من بئر السلم. ماذا كان خطأه؟ لقد شكا من تأخر مؤتمر صحفي.

كانت تلك هي اللحظة التي تحررت فيها من آخر أوهامي عن الثورة الليبية.

تحرك قادة الحارس سريعا لمعاقبته وكان تصرفه نتيجة غضب فردي وليس سياسة متبعة. لكن هذه الواقعة تظهر كيف تغيرت ليبيا منذ أن أطاحت المعارضة المسلحة بمعمر القذافي في أغسطس اب 2011. في ذلك الحين احتفل المقاتلون الشبان في طرابلس حتى ساعة متأخرة من الليل بعدما استولوا على مجمع باب العزيزية الخاص بالقذافي. كان هناك شعور بالاستبشار وشوق إلى التغيير تلمسه في كل من تتحدث إليه تقريبا.

بعد أربع سنوات تلاشى هذا الأمل وانقلب المقاتلون المعارضون السابقون على بعضهم بعضا وبات الشعور السائد هو الفوضى.

وليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين إحداهما رسمية انتقلت إلى طبرق في الشرق والأخرى غير معترف بها تسيطر على العاصمة طرابلس. وتطلق كل منهما الكثير من التصريحات الرنانة بشأن إدارة البلاد. لكن لا يبدو أن شيئا يحدث. وجمد البنك المركزي الميزانية.

وفي طرابلس أجريت مقابلة مع وزير في الآونة الأخيرة تحدث قرابة ساعتين ولم يكن عنده أي زائرين آخرين في ذلك الحين. كانت المكالمة الهاتفية الوحيدة التي تلقاها من السيدة التي تعد له الشاي.

وفي طبرق استقبلني وزير من الحكومة الأخرى بالبيجاما في فيلته المستأجرة وأصر أن نتناول العشاء. لم أكن متأكدا مما إذا كان لا يزال في منصبه. فرغم أنه كان قد أقيل رسميا كان لا يزال يصدر الأوامر.

كان الليبيون يأملون فيما هو أكثر من ذلك. فالبلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا ويضم مواقع سياحية خلابة منها بلدة لبدة الكبرى الاثرية الرومانية وكان يمتلك احتياطيات نقدية أجنبية تتجاوز المئة مليار دولار حتى بعد الثورة. وعقب الإطاحة بالقذافي جاء المستثمرون الأجانب أملا في ضخ الأموال في قطاع النفط وفنادق جديدة ومتاجر للبيع بالتجزئة.

وحتى في العام 2013 كان هناك أمل أن تنجح ليبيا كدولة. عندما عدت إلى طرابلس ما بعد الثورة في ذلك العام كانت السفارات الأجنبية لا تزال تقيم حفلات استقبال تشهد إلقاء كلمات ودودة للدولة المستضيفة لها. كان بعض المسؤولين يحاولون بناء وزارات قادرة على العمل وقوة للشرطة.

لكن وتيرة تبادل إطلاق النار ليلا بين الفصائل المتنافسة كانت تتزايد. وفي إحدى الأمسيات بينما كنا نقف في غرفة المعيشة انفجرت قذيفة صاروخية بالقرب من مقر مكتبنا. وبدأنا نفحص سيارتنا بشكل منتظم تحسبا لزراعة قنابل بها.

بدأ القلق يتسلل إلى نفوس المسؤولين أيضا. دأب المسؤولون على أن يقولوا لي إن ليبيا “مية في المية”. لكن إذا ألححت عليهم كثيرا ما كان الباب ينفتح على مصراعيه ويصبون جام غضبهم ويعبرون عن خيبة أملهم إزاء الجماعات المسلحة في البلاد كما لو كنا في جلسة علاجية. واستيقظنا صباح أحد أيام يوليو تموز 2014 على صوت وابل من قذائف المدفعية. كان فصيل مسلح يهاجم وحدة منافسة احتلت مطار طرابلس. تابعنا على شاشات التلفزيون الطائرات وهي تحترق.

أعقب ذلك شهر من المعارك. عندما سيطر المهاجمون أخيرا على المدينة باتت ليبيا بحكومتين وبرلمانين ومجموعتين مسلحتين تعتبر كل منهما نفسها الجيش الرسمي للدولة.

بدأ الطرفان في اختبار ولاءات الأجانب وهو نهج يذكر بعهد القذافي. بعض الأصدقاء الليبيين – الذين كانوا في السابق متحمسين لحرية التعبير – هللوا فجأة للمتشددين الإسلاميين الذين يقاتلون الحكومة في شرق البلاد. وتحول آخرون إلى أنصار لضابط برتبة لواء قصف الإسلاميين في بنغازي المكتظة بالسكان.

وانغلق البعض على ذواتهم سأما من التوتر الدائم. وقال لي جار عندما قابلته في القاهرة حيث انتقل بعائلته “ليبيا انتهت.”

ويلوم كثيرون الغرب لمساعدته في الاطاحة بالقذافي دون نزع سلاح جماعات المعارضة بعد ذلك. وقال لي عضو بالبرلمان يشعر بالمرارة بينما كنت أشرب معه الشاي في مدينة طبرق التي فر إليها البرلمان الرسمي في شرق البلاد “ذهب حلف شمال الأطلسي وتركنا مع تلك الميليشيات.”

في مارس اذار عام 2014 ذهبت لإجراء مقابلة مع رئيس الوزراء علي زيدان. كانت الجماعات المسلحة في الشرق قد سلطت الضوء في حينها على مدى ضعف سلطة زيدان فعليا بسيطرتها على أكبر ميناء نفطي وتحميل ناقلة بالنفط لبيعه في الخارج.

قال زيدان إنه منع الناقلة من الإبحار لكن حركاته ولفتاته كانت تنم عن رواية مختلفة. وعندما توقفنا عن التسجيل أبلغنا بأن الوضع لم يكن تحت السيطرة بشكل كامل. وبعدما هربت الناقلة مجددا أقاله البرلمان. وفي غضون ساعات كان يستقل طائرة إلى مالطا.

وتزايدت الفوضى بدرجة أكبر. وفي الآونة الأخيرة منعني مسؤولون من برلمان طبرق من حضور تنصيب رئيس الوزراء لأنهم لم يكونوا يرغبون في الإعتراف بأن حضور النواب قد تقلص إلى أقل من النصف. ويمنع برلمان طرابلس دخول الصحفيين لنفس السبب.

وفي العاصمة باتت المطاعم الآن مغلقة على جانبي أحد شوارع التسوق الرئيسية بعدما كانت في السابق تكتظ بالمستثمرين والدبلوماسيين بل والعاملين في صناعة النفط. وباتت متاجر السلع الفاخرة خاوية وهجرت الشركات الأجنبية مكاتبها.

ومع انتهاء فترة عملي غادرت ليبيا الآن. لكن ملايين الليبيين لا يملكون هذا الخيار.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق