سياسةمجتمع

أمهات الدواعش.. حكايات من أوروبا

أمهات أوروبيات يحكين كيف تركهن أبناؤهن لينضموا إلى داعش في سوريا

كريستيان

هافنجتون بوست – جوليا لوف – إيميلي كايسي – إعداد وترجمة: محمد الصباغ

في مدينة كالجاري، تقضى كريستيان بودرو كل لحظة فراغ تمتلكها في مشاهدة مقاطع فيديو تنظيم الدولة الإسلامية. تعيش في منزلها المتوسط المستوى الذي يحتوي على حجرة صارت فارغة بعدما كان يسكنها ابنها الأكبر داميان. تشاهد الرجال والمراهقين الذين يتخذون الأوضاع القتالية مع أسلحتهم الثقيلة، تتابع المعارك. لم تفوت عمليات الإعدام. كانت تركّز على الوجوه الملثمة محاولة تحديد أعين ابنها.

كارولينا

وفي كوبنهاجن، تعيش كارولينا دام في حالة رعب شديد، فابنها لوكاس في سوريا منذ سبعة أشهر. ومنذ ثلاثة أيام وصلتها أنباء حول إصابته على أطراف حلب، لكنها كانت مؤمنة بأنه لقى مصرعه. في المساء تجلس وحيدة، ولا تتوقف عن مراسلته عبر تطبيق فايبر، تكتب: ”لوكاس، أحبك كثيراً يا ابني العزيز. أفتقدك أريد أن أعانقك واشم رائحتك. أمسك بيديك الدافئتين بيدي وابتسم لك“.

لم يكن يصلها أي رد. وبعد شهر من ذلك وصلها رد من شخص ما. لم يكن لوكاس، يقول: ”ماذا عن يدي أنا؟“

لم تعرف من قد يمتلك القدرة على الوصول إلى هاتف لوكاس أو حسابه على فايبر، لكنها كانت في حاجة بائسة إلى معرفة أي معلومة. وحاولت البقاء هادئة وردت ”حتى أنت عزيزي، لكن أيدي لوكاس أكثر“، وسأل الشخص: ”هل ستتمكني من التعامل مع الموقف إذا زودتك ببعض الأخبار؟“

كتبت ”نعم عزيزي“، ثم جاء الرد بعد ثوان قليلة ”ابنك أصبح قطعاً وأشلاء“.

توريل

وليس ببعيد عن كوبنهاجن، وتحديداً في النرويج، طلبت توريل عدم ذكر اسمها الأخير. علمت هذه الأم بوفاة ابنها، توماس ألكسندر، من الشخص الذي جنده وأرسله إلى سوريا للقتال. أرادت دليلاً على ذلك، لذا ذهبتا ابنتاها سابينا وسارة –أسماء غير حقيقية- لمقابلة الشخص الذي جنده في محطة قطار أوسلو. كان مستعداً ببعض الصور على جهاز آيباد، ومن بينهم صورة لتوم ألكيندر مصاباً بطلق في رأسه وإحدى مقلتيه متدلية.

وصلت الأم الأخبار، ولم تستطع الحركة لأسبوع تقريباً. وعندما نظرت إلى نفسها في المرآة وجدت أنه يبدو عليها ما تشعر به تماماً ”محطمة“.

وإلى الجنوب قليلاً في بروكسل العاصمة البلجيكية، هناك صالحة بن علي، إحدى بنات المهاجرين الجدد، من أصول تونسية ومغربية، كانت في مؤتمر للمساعدات الإنسانية عندما بدأت تشعر بألم شديد في معدتها. لم تشعر بهذا النوع من الألم منذ سنين. قالت: ”كأنني في فترة الحمل ويريد الطفل أن يخرج الآن. ذهبت إلى منزلها وبكيت طوال الليل“.

صالحة بن علي

مرت ثلاثة أيام، ثم تلقى زوجها مكالمة هاتفية من رقم سوري. أخبره أحدهم أن ابنهم صبري، 19 عاماً، الذي طالما أحب موسيقى الريجييه والحديث مع أمه حول الأحداث العالمية، قد لقي مصرعه، وفي نفس اليوم الذي سقطت فيه صالحة مريضة. أدركت أن تلك الآلام لم تكن سوى عملية ولادة أخرى، لكن لروح ابنها من جسده، كان جسدها يخبرها بأن طفلها يموت.

تلك أربعة نماذج فقط من بين مئات آلاف الأمهات اللاتي خطف تنظيم الدولة الإسلامية منهن أطفالهن. منذ بداية الحرب الأهلية السورية عام 2011، تقريباً وصل إلى سوريا والعراق 20 ألف مقاتل من جنسيات مختلفة من أجل القتال لمصلحة كتائب إسلامية متشددة. أكثر من 3 آلاف منهم سافروا من دول غربية. وبينما يسافر البعض بمباركة أهلهم، البعض الآخر يغادرون سراً، ويأخذون معهم احساس بالحياة الطبيعية.

يتركون عائلاتهم في حزن سريالي، هو حزن فقدان الابن، وشعور بالذنب تجاه الأفعال التي قد يكون ارتكبها، وعار في مواجهة عدوانية بعض الجيران والأصدقاء، وشكوك حول كل الأشياء التي أدركوا انهم لم يكونوا يعرفونها عن الشخص الذي أنجبوه.

خلال العام الماضي، عشرات الأمهات من مختلف أنحاء العالم، وجدن أنفسهن في حلف غريب يجمعه الألم والخسارة.

زرت كريستين بودرو في كالجاري بكندا، وأخبرتني عن شعورها بالتفاؤل حين تعرّف داميان على الدين الإسلامي. هجر زوجها الأول العائلة عندما كان داميان في العاشرة من عمره، وانسحب الطفل لينعزل مع جهاز الكمبيوتر الخاص به عن عالم عامله بشكل سيئ واستبعده. وعندما وصل إلى 17 عاماً حاول الانتحار.

خرج من المستشفى بعد ذلك ليخبر أمه بأنه اكتشف القرآن، ورغم تربيتها له كمسيحي إلا أنها رحبت بتحوله إلى الإسلام. قالت إنه أصبح أفضل من السابق في جانب التواصل الاجتماعي، ووجد عملاً. بعد ذلك لم يكن يتناول الطعام مع الأسرة طالما هناك نبيذ على الطاولة، ثم أخبر والدته بأن المرأة يتم رعايتها بواسطة الرجل وأنه من الطبيعي أن يتزوج أكثر من واحدة. وفي صيف 2012، انتقل إلى شقة مع أصدقاء مسلمين تقع فوق مسجد بوسط كالجاري حيث يؤدون صلواتهم. أصبح رياضياً واعتاد الذهاب مع أصدقائه إلى التسلق في أماكن حول المدينة.

داميان

في نوفمبر، قال داميان لوالدته إنه سيسافر إلى مصر لتعلم اللغة العربية وليصبح داعية. عرفت بعد ذلك من الاستخبارات الكندية انه لم يكن في مصر بل سافر إلى سوريا والتحق بجبهة النصرة. وبداية من فبراير التالي، بدأ الاتصال بوالدته كل يومين أو ثلاثة، بالرغم من أنه كان تحت الرقابة. كانت والدته تستمع إلى الصرخات من حوله باللغة العربية وإلى أصوات الطائرات القريبة التي قاطعت حديثهم في بعض المرات.

في ربيع 2013، تغيرت لهجة الحديث وأخبرته في أحد المرات عن شعوره لو قام شقيقه لوك بالسفر إلى سوريا هو الآخر فكان رده أنه سيشعر بالفخر. هنا قالت بودرو: ”أدركت أن ابني اختفى، كان هذا شخص جديد بنفس الجسد القديم“.

وفي يناير 2014، اتصل أحد الصحفيين بالأم ونبهها إلى تغريدة على موقع تويتر تقول إن ابنها داميان تم قتله بواسطة الجيش السوري الحر، على حدود حلب. بدا كل شئ ضبابيا من حولها، وانصب تركيزها على شيء واحد، وهو كيف تخبر شقيقه بذلك قبل أن يراه على شاشات التلفزيون. لم تقدر على فعل ذلك فاصطحبته إلى طبيبه النفسي. وكتب لوك بعد ذلك على فيسبوك لأخيه ”افتقدك.. ليتك لم تمت أبداً“.

داميان وشقيقه لوك

لم تستطع النوم بعد وفاة ابنها، بكت طوال الوقت. لكن كان عليها التماسك من أجل الابن الآخر لوك.

أرادت بعد ذلك أن تعرف تفاصيل ما مرت وابنها به، فتواصلت مع خبير ألماني في التراجع عن التشدد، يدعى دانيل كولر في برلين. وألتقت مع أمهات مروا بنفس التجربة وحاولوا مشاركة الذكريات والتجربة سوياً.

في فبراير، تلقت بودرو بريداً الكترونياً من امرأة في الدنمارك تدعى كارولين دام، أخبرتها أنها فقدت ابنها في سوريا وتريد أن تتواصل مع أمهات مررن بنفس التجربة. تواصلت مع دام وزارتها في كوبنهاجن للحديث عن ابنها لوكاس.

كان لوكاس إنطوائياً، وأغلب تفاعلاته الاجتماعية تنتهي بشجار. وعندما كان في العاشرة، تم تشخيصه بأنه مصاب بمتلازمة أسبرجر –نوع من التوحد- واضطراب الانتباه، لكن في مرحلة المراهقة أصبح أكثر خطورة. تم توقيفه لسرقة ”سكوتر“، وفي مرة أخرى قام بسرقة خاتم زواج صديقة والدته. وتم الاشتباه في انضمامه لتشكيل عصابي.

لوكاس

بعد ذلك عمل في أحد الجرجات وكان أغلب من معه من المسلمين. عرفّوه على دينهم. وعلمت والدته بتحوله إلى الإسلام بعد شهور عندما لم يتناول الطعام أيام كاملة لتكتشف أنه شهر رمضان.

ومثل الأم الأخرى رأت في تحوله إلى ديانة أخرى ”معجزة صغيرة“. ولم تفهم أيضاً غضب ابنها حينما كانت تستمع إلى الموسيقى، أو لماذا في أحد الأيام جاء إلى المنزل ينتحب ومروعاً لأنها لن تكون معه في الجنة إلا إذا تحولت إلى الإسلام.

اختفى لوكاس في مايو 2014، ثم اتصل بوالدته بعد ثلاثة أيام من على الحدود التركية، وأخبرها أنه بحاجة إلى عطلة. في الشهور الأولى من رحيله كان على اتصال دائم بوالدته، وتقول دام إنه كان بشكل ما لا يريد الرحيل. أخبرها أنه يعمل في مخيمات اللاجئين التركية. لكن وفقاً لصحفي دنماركي يدعى جاكوب شيخ، والذي يعمل على تأليف كتاب عن لوكاس والجهاديين الدنماركيين، عبر الابن إلى سوريا والتحق بكتيبة أحرار الشام، المتمركزة في إدلب. إلى هذا الوقت كان يبدو في حديثه كالمشتاق إلى وطنه، فكان يسأل عن القط ويكتب لأمه ”الكثير من القبلات“ وترد هي عليه بالأشكال التعبيرية. ثم طلب منها وضع أموال في حسابه البنكي، فقط ليتأكد من أنهم لم يعطوا رقم حسابه لشخص آخر. وفي أحد الصور له في سوريا في تلك الفترة كان يبدو سعيداً وهو مبلل بماء الوضوء قبل الصلاة.

بعد ذلك أصبح لوكاس صامتاً، انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ولم تكن تعلم هي ذلك، وعندما استطاعت التواصل معها عبر فايبر، وحاولت إقناعه بالعودة وطلبت منه تحديد موعد عودته قال: ”لا أستطيع لأنني لا أعرف“، وكانت تلك آخر محادثة بينهما. بدأت في الحديث مع أصدقائه المسلمين، وقالت: ”كنت أعرف أنه قد مات“.

أرسل لها أحد أصدقائه رابطاً بمجموعة خاصة على الفيسبوك وبمجرد أن طلبت الدخول بها تم التأكيد على ذلك، رأت أحد الأشخاص وقد وضع صورة للوكاس وبجواره مدفع رشاش وعلى الحائط راية تنظيم الدولة. بدأت في التحرك لأسفل في المجموعة لترى مقاطع فيديو تفتح أوتوماتيكياً. وقالت ”أبحث عن مقاطع الذبح والاغتصاب والقتل- أشياء قميئة، فقط لأرى إن كنت سأجد معلومات عن ابني“.

ثم قرأت منشوراً يصف مقتل ”شهيد“، اسم ابنها المسلم. وكان مكتوباً على الصفحة: ”ليرحم الله أخينا الدنماركي “شهيد” الذي تحول إلى الإسلام، ويقبله مع الشهداء ويجمعنا به”.

وجدت دام نفسها محاطة بالكثير من الأسئلة. ماذا كان يفعل ابنها في سوريا؟ كيف وصل إلى هناك؟ وكيف أخفى طريقة حياته تلك؟

واستطاعت الوصول بعد ذلك من خلال الفيسبوك إلى أحد أصدقائه الذي تعتقد أنه في سوريا واسمه عزيز –اسم غير حقيقي- وزودها ببعض الملفات الصوتية للوكاس وهو يشجعه على الالتحاق به في سوريا. وملفات لكيفية قيام المقاتلين بالتغلب على المراقبة التي يتعرضون لها.

سألت دام عزيز سؤالا محددا: ”هل قطع ابني رأس أي شخص؟“ لم يخبرها أحد بشئ عن العنف لكن الصحفي الدنماركي شيخ أخبرها أن لوكاس كان في الشهور الأخيرة مقاتلاً.

في مكان آخر تحديدا مدينة كوباني شمالي سوريا، وبالتزامن مع الأحداث السابقة في مارس الماضي قتل شخص يدعى أبو سيف المهاجر برصاصة في رأسه. هذا الأسبوع كانت والدته، توريل، تقرأ تقريراً حول الدنماركي لوكاس، وأجبرت نفسها على كتابة بعض العبارات القليلة لوالدته على الفيسبوك. زرت الأم الثالثة في منزلها بهالدن، 75 ميلا من العاصمة النرويجية أوسلو، وبالتحديد بعد شهرين من مقتل أبو سيف الذي نادته والدته دائما توم أليكسندر.

الأب كان غائباً أيضاً، فقد مات بفعل جرعة زائدة من الهيروين عندما كان توماس في سن السابعة. أصيب طفلها بتشتت الانتباه والنشاط المفرط في سن الرابعة عشر. وألقي القبض عليه في بداية فترة عشرينياته لعدة جرائم، ودخل إلى مصحة لإعادة تأهيله بعد إدمانه للمخدرات.

توم أليكسندر

تعرّف توماس أليكسندر على نسخة من ”الشهادة“، وهي نوع من الإفصاح عن الإيمان عند المسلمين، عندما كان في مركز للألعاب الرياضية ”جيم“ ثم أصبح رجلاً جديداً. ابتعد عن الهيروين وبدأ بالاتصال بوالدته، حصل على وظيفة وتزوج بامرأة مغربية جميلة. تنهدت توريل، وقالت: ”بدا الأمر كالحصول على ابن جديد، ابن جيد“.

بدأ ألكسندر في الظهور بشكل أكبر في حياة شقيقته سابين 17 عاماً. عادة ما استضافها هي وشقيقتهما سارة 28 عاماً، بشقته في أوسلو، حيث تحدث معهما حول ديانته الجديدة. قالت لي سابين في أحد الأيام ”تحدث لي عن جمال الإسلام“، واصطحبها في أكتوبر 2013 إلى المسجد الذي يصلي فيه وعلمتها سيدة كيفية الصلاة. وفي اليوم التالي تحولت هي أيضاً إلى الإسلام.

بعد ذلك كانت الأخبار عن الحرب السورية في كل الأوقات، أخذت توريل من ابنها وعداً بأنه لن يسافر إلى سوريا. وبعد وقت ليس بالطويل طلّق زوجته الاولى وتزوج بصومالية، وأصرت على انتقالهما إلى دولة مسلمة. ثم أخبر والدته بعد عام أنه لن يستطيع الوفاء بوعده لها أكثر من ذلك.

في ربيع 2014، زارت الاستخبارات النرويجية أوريل، وأخبروها أنهم يشتبهون في انضمام ابنها إلى جماعة متطرفة في أوسلو، ويخطط للرحيل من النرويج ليلتحق بالدولة الإسلامية.

رأت ابنها آخر مرة في يونيو 2014. جاء إلى منزلها وصنع لها البيتزا وكان يرتدي ملابساً غربية وقد حلق لحيته. تتعامل العائلات غالباً مع هذا التغيير بشىء من التفاؤل، خطوة نحو عودة أبنائهم إلى سابق عهدهم. لكن توريل لم تكن كذلك، فهي سمعت قبل ذلك بشخص ما فعل نفس الشيء قبل أن يغادر إلى سوريا. فكرت في كل شئ لمنع ابنها من السفر حتى في استخدام ماضيه الإجرامي مع المخدرات في التسبب بالقبض عليه.

بعد مغادرته منزلها اصطحبه أعضاء من الجماعة المتطرفة في أوسلو “أمة النبي” إلى المطار. كانت توريل على حق: فعل كل ذلك لتسهيل رحلته عبر الحواجز الأمنية وفي المطارات. كانت أجهزة الاستخبارات تراقبه ولم يمنعوه من الحصول على جواز السفر ومغادرة البلاد. اتصل توم ألكسندر بوالدته بعد ذلك بعدة ايام من سوريا، فاتصلت بالاستخبارات في حالة فزع لتخبرهم بالمستجدات فكانت إجابتهم: ”شكراً، هل هناك شيء آخر؟“.

أرسل لها على الفيسبوك أنه يقود شاحنة بمدينة الرقة –عاصمة الدولة الإسلامية. أرسل لها مقاطع فيديو بالشوارع والشقة والمطاعم التي يتناول فيها طعامه.

في مارس الماضي اتصل عبيد الله حسين، زعيم أمة النبي، بتوريل ليخبرها أن ابنها قد مات.

الأمر مختلف عن البقية عند توريل، فهي علمت بشكل ما أن ابنها كان سيذهب للقتال في سوريا، وطالبته بعدم فعل ذلك. واكتشفت أنه من المفاجئ في الكثير من الدول الغربية أن الحكومة لا تتدخل. فليس من غير المشروع أن تسافر إلى سوريا أو تركيا من دولة أوروبية. حتى في حالات القصّر تفشل الحكومات في استخدام سلطاتها لمنع السفر إلى سوريا.

وقفت بمحطة قطار في باريس في مايو الماضي ووصل أحد القطارات لتظهر أمامي صالحة بن علي، من بين الحشود قادمة من بروكسل. وقفت مع سيدتين يتشاركان في نفس الألم. كانت المرة الأولى التي أرى فيها كم الحزن الذي تحمله تلك الأمهات، عندما يتقابلن مع أمهات مررن بنفس التجربة. وتقول صالحة إن تلك من المرات القليلة التي تشعرين فيها بأنك لست أماً سيئة. المرأتان الاخريتان كانتا يدعيان بونز وفاليرين وكونّ الثلاثة علاقة صداقة كبيرة، لم تكن لتتشكل لو لم يحدث ما حدث لأبنائهن.

فقدت بونز، 60 عاماً، اثنين من أبنائها الذين ذهبوا للالتحاق بتنظيم الدولة، هي متقاعدة من مدينة تولوز وكانت تعمل بالجيش. غادر ابنها نيكولاس وابنها بالتبني جون جانيل إلى سوريا في مارس 2013. قتل دانيل في أغسطس في عمر 22 سنة، وفي ديسمبر تلقت رسالة تفيد بأن ابنها نيكولاس 30 عاماً قد لحق بالآخر. في الواقع قاد شاحنة مليئة بالمتفجرات ليدمر أحد مباني حمص.

صالحة بن علي، أم لأربعة أطفال ولدوا جميعاً في بلجيكا. وتقول إنها تمارس طقوس الإسلام بشكل هادئ لكن ذلك لم يكن كافياً لابنها الثاني صبري. غادر في أغسطس دون أن يتحدث بكلمة. بعد أربعة أيام أرسل لها برسالة على الفيسبوك تقول: ”أمي، أنا في سوريا، وسنلتقي سوياً في الجنة“.

صبري أعلى يسار الصورة

بعد وفاة صبري جاء أحد جيرانها المسلمين في بروكسل وأخبرها أن ”ابنك شهيد. الآن اغلقي بابك ولا تتحدثي عنه مرة أخرى“. كان ردها أنها لن تتوقف عن الحديث أبداً عنه، وقطع الجار كل الاتصال بها.

فاليري هي الوحيدة التي قابلتها وطفلتها على قيد الحياة. ابنتها ليا-اسم غير حقيقي-، 18 عاماً، تعيش بمكان ما في حلب. عندما كانت في السادسة عشر من عمرها، قابلت شاباً جزائرياً 22 عاماً، أقنعها بالتحول إلى الإسلام وجعلها متشددة. في 5 يونيو 2013، ضحكت ليا لوالدتها وقبّلتها بعد العشاء ثم خرجت واختفت. ظنت أنها اختطفت لكن بعد ذلك اكتشفت أنها والجزائري قد سافرا إلى سوريا.

مع اختفاء أطفالهن أصبح تنظيم الدولة الإسلامة هو الشغل الشاغل لهؤلاء الأمهات. أصبحن خبيرات في جغرافيا سوريا، وفي الكتائب المتقاتلة في الحرب السورية المستمرة منذ 4 سنوات، وأصبحن أيضاً طليقات في لغة الجهاد. عندما ذهب هؤلاء الأطفال إلى سوريا ذهبت أمهاتهن معهن، فكيف لا يفعلن؟

في هذا الربيع حاولت صالحة واثنتان من الأمهات عبور الحدود إلى سوريا لاكتشاف ما حدث لأبنائهن في الشهور الأخيرة. أوقفتهم السلطات التركية، لكن صالحة أخبرتني أنها عندما رأت بؤس اللاجئين السوريين ومدى الحزن أدركت لماذا غادرها ابنها. قالت: ”الآن أستطيع القول أن ابني امتلك شجاعة كبيرة“.

النسيان ليس خياراً لأي من تلك الأمهات. التخلي عن الأمر سيجعل هناك أطفال أمهات أخريات يقعون تحت سيطرة دعاة متطرفين وينتهي بهم الأمر إلى ارتداء سترات انتحارية. من خلال النشاط، والبحث عن إجابات دائماً، وجدت كل أم طريقها في إبقاء ابنها حياً، بغض النظر عن التكلفة النفسية.

ستظل بودرو تبحث كغيرها وتقوم باللقاءات الصحفية، والمكالمات الهاتفية، ستظل تعيش الحياة التي اختارها لها ابنها داميان. قالت: ”لو كنت أعرف ما سأصل إليه حالياً، لم أكن لأنجب أطفالا أبداً“.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق