سياسة

أسوشيتدبرس: “زمن الاعتقال” في مصر

 arrist

 

 

وكالة أ.ب ترصد أكبر تزايد لأعداد المعتقلين في مصر منذ عقود والأشكال غير الاعتيادية من التعذيب

عن أسوشيتدبرس – ترجمة ملكة بدر

أسفرت حملة قمع الإسلاميين في مصر عن اعتقال أكثر من 16 ألف شخص على مدار الشهور الثمان الماضية في أكبر حملة اعتقالات منذ عقدين تقريبًا، وذلك طبقًا لأرقام سابقة غير معلنة كشف عنها مسؤولين أمنيين. ويقول النشطاء الحقوقيون إن بلاغات الاعتداء على المعتقلين في السجون تزداد، فضلا عن وصف السجناء التعذيب الممنهج والأوضاع المزرية التي يتعرضون لها مع حشر العشرات في زنازين صغيرة وضيقة.

ولم تعلن الحكومة المصرية عن أرقام رسمية عن الذين ألقي القبض عليهم في الموجة التي اكتسحت البلاد منذ أطاح الجيش بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في يوليو، إلا أن أربعة مسؤولين رفيعي المستوى، اثنان منهما في وزارة الداخلية والاثنان الآخرين في الجيش، قالا لوكالة أسوشيتيد برس الأمريكية إن هناك ما يقدر عدده تقريبًا حوالي 16 ألف معتقل في السجون، منهم حوالي 3 آلاف قيادي بارز وعضو من الجماعة التي كان مرسي ينتمي لها، الإخوان المسلمين.

واعتمدت هذه الأرقام، التي تتطابق مع التقديرات الحديثة لجماعات حقوق الإنسان، على سجل تحتفظ به وزارة الداخلية ومسموح للجيش بالاطلاع عليه. ويتضمن هذا السجل أسماء مئات النساء والقصّر، بالرغم من عدم قدرة المسؤولين على تحديد الأرقام الدقيقة لذلك. وقد منح هؤلاء المسؤولين أسوشيتيد برس هذه الأرقام بشرط عدم الكشف عن هوياتهم لأن الحكومة لم تعلن عنها بعد.

أغرق هذا الفيضان من الاعتقالات السجون والمحاكم، واعتقل الكثيرون لشهور في زنازين أقسام الشرطة مُعدَّة فقط لحبس المتهمين بشكل احتياطي، أو في سجون مرتجلة في معسكرات تدريب الشرطة لأن السجون كانت مزدحمة أكثر من اللازم، كما تم حبسهم لشهور طويلة دون توجيه اتهامات لهم.

“ابني يبدو كرجال الكهف، استطال شعره وأظافره، ونمت لحيته واتسخ بالكامل”، هكذا قالت نغم عمر لأسوشيتيد برس وهي تصف أحوال ابنها صلاح الدين أيمن محمد (20 سنة) والمحبوس منذ يناير بسبب مشاركته في احتجاج موالي لمرسي. تم حشر صلاح الدين ومعه 22 آخرين في زنزانة عرضها ثلاثة أمتار في قسم شرطة بمحافظة أسيوط، حسبما قالت نغم والدته، التي تزوره مرة أسبوعيًا، ولم يتم توجيه اتهامات له إلى الآن.

تقول نغم “إنه ابني، لكن الرائحة الكريهة المنبعثة من المكان تجعلني أريد في الرحيل فورًا”.

وتقول الحكومة إن الشرطة، التي تديرها وزارة الداخلية، غيرت من طريقتها في التعامل عما كانت عليه في عهد المستبد حسني مبارك، عندما كانت قوات الأمن تشتهر بالتعذيب والفساد، أما الآن، حسبما يقول المسؤولون، فلا مكان هناك أو تسامح مع الاعتداءات أو التعذيب.

كان اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية لقطاع حقوق الإنسان، قد قال لصحيفة “الوطن” في لقاء معه الشهر الماضي “من المحتمل وجود بعض استخدام للقسوة”، مشيرًا إلى أن أي شخص يزعم تعرضه للتعذيب، عليه أن يتقدم بشكوى إما إلى الوزارة أو إلى مكتب النائب العام، لكنه قال إنه حتى الآن، لم يتم تقديم أي دليل على وجود إساءة معاملة.

وفي لقاء له على قناة أون تي في الخاصة، قال عبد الكريم “إذا كان لدينا أي شخص (في الشرطة) قد ارتكب خطأ أو انتهك القانون، فسنحاسبه طبقًا للقانون”.

وتبدو الحكومة الجديدة المدعومة من الجيش عازمة على سحق الإخوان المسلمين وحلفائها الإسلاميين، فقد شنت حملة اعتبرتها حربًا على الإرهاب، واتهمت فيها الجماعة بالتعاون مع الميليشيات الإسلامية عقب موجة من التفجيرات والاغتيالات منذ الإطاحة بمرسي. وأسفر ذلك العنف عن مقتل العشرات من الشرطة والجيش.

من جانبها، تنكر جماعة الإخوان المسلمين وجود أي رابط بينها وبين الميليشيات وتقول إن السلطات تستخدم الإرهاب حجة لإقصاء الجماعة عن الساحة باعتبارها منافسًا سياسيًا. وقد قتل حوالي ألفي من أنصار الإخوان المسلمين على يد الشرطة في حملات قمع على الموالين لمرسي في احتجاجات قادها الإسلاميون لعدة شهور في أنحاء البلاد.

حملة الاعتقالات تأتي وسط أكبر مواجهة مع الإسلاميين منذ عقود

كانت كراهية الشرطة واعتداءاتها المستمرة هي المحرك الرئيسي المحفز لثورة 2011 التي أطاحت بمبارك، وبالرغم من ذلك، شهدت الاعتقالات الجديدة دعمًا شعبيًا واسعًا وسط موجة من المشاعر القومية، عقب خروج الملايين في احتجاجات الصيف الماضي مطالبين بتنحي مرسي قبل أن يتدخل الجيش ويطيح به.

ومنذ ذلك الوقت، أججت معظم وسائل الإعلام في مصر هذه النيران، مصورة الإخوان باعتبارهم إرهابيين، والشرطة والجيش باعتبارهما أبطال، وهي نفس النيران التي يتم تأجيجها أيضًا لتوصيل قائد الجيش، المشير عبد الفتاح السيسي، إلى كرسي الرئاسة في الانتخابات المقبلة، ومن ثم، لم يعد هناك الكثير من التسامح الشعبي مع توجيه أي انتقادات للجيش أو للشرطة، فلم تلق تقارير نشطاء حقوق الإنسان عن التعذيب والاعتداءات التي ترتكبها الشرطة صدى شعبيًا كبيرًا.

وكانت النتيجة هي أكبر موجة اعتقالات منذ التسعينات، عندما ألقت قوات أمن مبارك القبض على 20 ألف شخصًا على الأقل، معظمهم من الإسلاميين، أثناء قتالها الدامي مع الميليشيات المتمردة.

معظم المعتقلين في حملة القمع منذ الإطاحة في 3 يوليو بمرسي هم من الإسلاميين، المقبوض عليهم غالبًا أثناء وجودهم في احتجاجات أو تظاهرات بالشوارع، إذ تلقي الشرطة القبض على العشرات حزمة واحدة في كل مرة، ومنهم بعض أعضاء الإخوان المقبوض عليهم في غارات اقتحام لمنازلهم، ولكن كان هناك أيضًا حالات اعتقال متعددة لأفراد كانوا يحملون ملصقات أو لافتات اعتبرت مؤيدة أو مناصرة للإخوان أو تمس الجيش. وقد ألقي القبض على عدد من النشطاء العلمانيين، والمناهضين للجيش، ومنهم بعض الأسماء البارزة التي شاركت في الانتفاضة ضد مبارك في 2011 أيضًا لأنهم انتهكوا القانون الوحشي الجديد الذي يمنع كل الاحتجاجات دون الحصول على إذن من الشرطة.

يقول النشطاء الحقوقيون إن عمليات  التعذيب، لا تتم حسبما يعرفها القانون في مصر، على الرغم من تلقيهم تقارير تفيد باستخدام الصدمات الكهربائية لمعاقبة المعتقلين، ولكن الأكثر انتشارًا حسب قولهم هو وجود اعتداءات بالضرب والحرمان من النوم واعتداءات لفظية وتهديدات بالاغتصاب ومنع المحبوسين من حقوقهم الأساسية كالحصول على فراش أو بطاطين أو صحف أو فرصة للتمرين.

يقول محمد عبد العزيز، المحامي الحقوقي البارز الذي يرأس منظمة غير حكومية تدعم حقوق المعتقلين “أنا غير مقتنع بوجود تعذيب ممنهج، لكنني مقتنع أن هناك قسوة مفرطة”، ولكنه قال هو وعدد من محاميي حقوق الإنسان إن مكتب النائب العام، ودوره التحقيق في الاتهامات الموجهة للمعتقلين، يقبل عادة رواية الشرطة للأحداث ويصدقها.

أما الشرطة فتبدو عازمة على الاستمرار في معاملتها الوحشية الممنهجة دون خوف من العقاب. ففي 10 مارس، قامت قوات الشرطة بالاعتداء بالضرب على ثلاثة نشطاء مدنيين علمانيين داخل المحكمة لأنهم أصروا على إزالة القيود الحديدية من أياديهم داخل قاعة المحكمة، حسبما قال محاميهم. وفي جلسة الاستماع، طالب النشطاء من القاضي تسجيل شكواهم، لكنه لم يفعل شيئًا للشرطة.

خالد السيد، 30 سنة، رمز بارز من رموز ثورة 2011، وصف لأسوشيتيد برس رحلة عذابه بعد إلقاء القبض عليه ومعه ناشطين ليبراليين بارزين آخرين في احتجاجات 25 يناير العام الجاري التي ضمت مجموعات من القوى الإسلامية والعلمانية المناهضة للجيش، قبل أن يتم إطلاق سراحه في بداية مارس الجاري.

وقال إنه في أول قسم شرطة تم اقتيادهم إليه، في الأزبكية، وقف المقبوض عليهم في احتجاجات وهم معصوبي الأعين لمدة 14 ساعة، بينما قام الضباط والجنود بالاعتداء عليهم باللكم والضرب بالعصي وكان خالد يسمع صراخهم وهم يتعرضون للصدمات الكهربائية، لكنه لم يستطع أن يرى شيئًا. “لقد كان ذلك وحشيًا”.

بعدها، اقتيد هو والآخرون إلى قسم شرطة آخر وتم احتجازهم فيه لمدة 10 أيام مع 15 شخصًا آخرين محشورين في زنزانة حجمها 7 أمتار، ثم تم نقلهم إلى سجن أبو زعبل شمال القاهرة.

وفي السجن، تم حبسهم في عربة الترحيلات لمدة 90 دقيقة، وعندما أطلق سراحهم منها، بدأت ما تسمى “حفلة الاستقبال”، التي يقوم فيها الحراس بالاعتداء بالضرب بالعصي والهراوات على المساجين، حسب قول خالد، ثم جلسوا جميعًا على الأرض وكان الحراس يعتدون بالضرب على أي شخص يرفع رأسه مرة أخرى.

بعدها، قال خالد إن الحراس حشروا أكثر من 30 سجين في زنزانة واحدة، ومنحوهم فقط بطاطين يمكنهم النوم عليها على الأرض الباردة الأسمنتية. وقضى خالد بعدها 16 يومًا، قال إنه رأى فيها مساجين يعانون من الحمى ولكن رفض إدخال أي مساعدة طبية لهم أو علاج. وفي أثناء أحد حملات التفتيش، استبعد الحراس خالد من المكان لأنه شكا من سوء ظروف الحبس، وقال إنهم وضعوا القيود الحديدية في يده، ودفعوه ليرتطم بالجدار وبدأوا بلكمه مرارًا وتكرارًا على وجهه.

بعد 16 يومًا، تم نقله إلى سجن آخر، حيث كانت المعاملة أفضل لأنه، كما قال، سرب خطابًا خارج السجن يتحدث فيه عن الانتهاكات التي يتعرضون لها.

وقال خالد “أبو زعبل مثال حي على أن محمد إبراهيم أكثر قسوة من حبيب العادلي”، مقارنًا بين وزير الداخلية الحالي ووزير داخلية مبارك الذي استمر في منصبه سنوات طويلة، وأضاف “إنه ينتقم من شعب مصر”.

أما أحمد اليماني، عضو الإخوان المسلمين (52 سنة) الذي ألقي القبض عليه في أغسطس واعتقل لمدة 5 شهور تقريبًا بعدها، فقال إنه تشارك في زنزانة حجمها 7 أمتار في 5 أمتار مع 35 معتقلًا آخرين. وفي أحد المرات، لم يغادر أحد الزنزانة لمدة شهر كامل.

وأضاف لأسوشيتيد برس قائلا “أمرونا بالتجرد من ملابسنا وأخذوها منا. أمضينا أسبوعين لا نرتدي سوى ملابسنا الداخلية، وكان أحدنا قد أجبر على التجرد من كل ملابسه لشهر كامل إلا مما يستر عورته فقط”.

وقال مسؤولا وزارة الداخلية اللذان تحدثا إلى أسوشيتيد برس إن التقارير التي تتحدث عن اساءة المعاملة “مبالغ فيها بشدة”، لكنهما اعترفا بوجودها، وألقى كل منهما باللوم على ازدحام الزنازين وقلة الرعاية الطبية ومشكلات أخرى. لكن أحدهما قال “لا نستطيع التحدث عن حقوق الإنسان وحقوق المعتقلين في وقت يتم فيه استهداف رجال الشرطة في الشوارع لاغتيالهم وهم يرون قادتهم يتعرضون لعمليات إطلاق نار وقتلهم”.

من جانبها، كانت الحكومة المدعومة من الجيش قد دفعت في يناير بدستور جديد متفق عليه من الناخبين يتضمن موادا تراعي الأصول القانونية ويضمن للمعتقلين بألا يتم تعذيبهم أو إرهابهم أو تعرضهم لضرر أو أذى جسدي أو معنوي أو أن يتم حبسهم إلا في أماكن مخصصة لهذا الغرض.

وقالت مها يوسف، المحامية بمركز النديم المعني بضحايا التعذيب، إن العدد الكبير من المعتقلين يرجع جزئيًا بسبب أوامر النيابة باستمرار حبس المتهمين لفترات طويلة، حتى في حالات الجرائم الصغيرة كالمشاركة في احتجاجات غير مرخصة أو تعطيل حركة المرور، وفي الوقت نفسه، تفرض عليهم كفالات وغرامات باهظة بشكل غير عادي، تفوق مقدرة معظم المصريين ماليًا. ويتم أحيانًا استجواب المحتجزين في أماكن احتجازهم وليس في مكاتب وكلاء النيابة، كما إنه في بعض الأوقات يتم استجوابهم جماعيًا، وهو ما يعد انتهاكًا لحقوق المعتقلين.

 ويشير نجاد البرعي، المحامي الحقوقي، إلى أن “هذا في حد ذاته نوع من التعذيب، والمصريون أساسًا يتمتعون بحقوق قليلة وهم أحرار، فما بالك بحالة حقوقهم وهم في السجن”.

خلقت الأزمة السياسية استقطابا حادا في المجتمع المصري

مقالات ذات صلة

إغلاق