سياسة

أسوشيتد برس: السيسي..الحُكم “على الهواء مباشرة”

 يظهر السيسي عادة خلال تجمعات من الجمهور الشاب في سلسلة المؤتمرات التي تذاع على التلفزيون

Abdel-Fattah El-Sissi

أسوشيتد برس 

 

ترجمة سلمى خطاب- فاطمة لطفي

 

جلس الرئيس عبد الفتاح السيسي مبتهجًا أمام الجمهور، وإلي جانبه مذيعة تلفزيونية شابة تمدحه على شفافيته وحديثه المباشر، ثم بدأت في اختيار عدد من الأسئلة والشكاوي من بين آلاف الأسئلة التي سجلها الجمهور على الصفحة الالكترونية “اسأل الرئيس”. وخلال الساعة التالية، ظهر الرئيس المصري وهو يوزع حلولًا على مشكلات الناس ومخاوفهم مباشرة على شاشات التلفزيون.

وحين كتب أحد الأشخاص يشكو من أن الشرطة أغلقت عربة طعام غير مرخصة، تديرها فتاتان، أجاب السيسي بأنه يريد البدء في برنامج لمنح تراخيص لمثل هذه العربات لتقف في الميادين العامة، ثم استدار إلي وزير داخليته الجالس في الصفوف الأمامية، ووبّخه بلطف متسائلًا “لماذا لا تمنح تصاريح مؤقتة لمثل هذه العربات إلى حين  وضع نظام دائم إصدار مثل هذه التصاريح”؟

جنرال مصر الذي أصبح رئيسًا ناور بمهارة  ليصبح زعيمًا عبر كل شيء تقريبًا، حيث تجاوز مؤسسات الدولة التي كانت ضعيفة بالفعل، وبرلمانا يواليه بإخلاص، كما ينتظر مجلس وزراؤه كل كلمة منه، وتخلو وسائل الإعلام تقريبًا من أي صوت معارض. في الوقت ذاته، يقدم السيسي نفسه أمام الجمهور بطريقة لم يفعلها أي من رؤساء مصر السابقين، حيث يظهر عادة خلال تجمعات من الجمهور الشاب في سلسلة المؤتمرات التي تذاع على التلفزيون، وهو يجيب على أسئلة الناس  التي يقدمونها عبر صفحة “اسأل الرئيس” المربوطة بموقعه ومكتبه. وخلال ذلك، يعمل بعناية على رسم صورة لشخص يهتم بأدق التفاصيل، ومدمن على العمل، وعلى تواصل دائم مع الناس، صارم معهم، لكنه حساس تجاه مشكلاتهم.

وهذه الصورة خدمته جيدًا، وساعدته على الحفاظ على شعبيته بين جزء كبير من الشعب المصري، بالرغم من آلام ارتفاع الأسعار التي فرضتها تدابير التقشف التي اتخذتها الحكومة لإنقاذ اقتصاد يغرق، وبالرغم من الحرب الدامية ضد المسلحين الإسلاميين، والمخاوف من ازدياد سلطويته. تعطي لقاءات السيسي التلفزيونية انطباعًا بالحرية والشفافية، على الرغم من أن حكومته تراجعت عن كل الحريات التي حققتها ثورة 2011، وتقمع جماعات المجتمع المدني، وتسجن الآلاف من المعارضين.

يقول الناشر البارز والخبير الإعلامي هشام قاسم إن “السيسي يريد أن يبدو هو الشخص الذي يمسك بكل الخيوط ولديه وحده الأفكار لحل كل مشكلة،  إنه أسلوب يمزج  بين الاستبداد والعلاقات العامة”. ويقول السيسي ومؤيدوه إنه لا طريق آخر لإصلاح الأضرار الشديدة التي لحقت بالشعب المصري منذ ثورة 2011 التي خلعت مبارك، يقولون إن التوعية تطمئن وتجمع الجمهور الذي يكافح الارتفاع القاسي لأسعار الغذاء، والوقود والخدمات الأساسية نتيجة للإصلاحات الاقتصادية التي تضمنت تعويم العملة، ورفع بعض الإعانات.

السيسي أصبح أيضًا مدعومًا من خلال بعض التحولات على المسرح العالمي، حيث كان يتم تجنبه في البداية بعد عزله رئيسا مًنتخبا في 2013 وقيادته لحملة قمع واسعة ضخمة لمعارضيه من الإسلاميين والعلمانيين، لكنه الآن يحظي بقبول العديد من قادة الغرب، بما في ذلك الرئيس دونالد ترامب، الذي يرى فيه حليفًا في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. السيسي لا يخفي ترفعه عن السياسة، ولا يملك حزبًا سياسيًا، على العكس من مبارك الذي كان حزبه الحاكم بمثابة لإلزام الحكومة والشارع بإبداء الولاء.

بدلًا من ذلك، فإن الجيش هو الذراع الرئيسية للسيسي، حيث وسع من دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، ليصل بذلك إلى مجالات جديدة من التصنيع وإنشاء البنية التحتية، حتى اشتكى البعض من أن مستثمري القطاع الخاص باتوا في وضع سئ وغير مؤات.  ويقول  السيسي خلال مقابلة حديثة ” إذا لم يكن للقوات المسلحة دور متكامل في مواجهة هذا التطور (الاقتصادي) الهائل، على الأرجح لم نكن لنصبح قادرين على تحقيق ما حققناه”.

كما أدرج مئات الخريجين الشباب -الذين جرى اختيارهم بعناية- ضمن برنامج للخروج بجيل قيادي جديد، ومن المقرر تعيين الكثير منهم في الوزارات والمصالح الحكومية، تنصيب فعال للموالين للسيسي لتحقيق سياساته.

يقول نجاد برعي، محامي حقوقي بارز، وهو من بين عدد من النشطاء الممنوعون من السفر  “يبدو واضحًا أنه (السيسي) لا يثق في معظم مؤسسات الدولة”. ويتابع برعي ” يتجنب معظم المؤسسات ويتعامل مباشرة مع الأشخاص من خلال هذه اللقاءات المتلفزة. المقصد هنا أنه هو والمؤسسات التي يفضلها، وفي المقام الأول الجيش، يقومون بكل شيء بأنفسهم”.

شعبية السيسي بين العامة أتاحتها القبضة المفروضة على وسائل الإعلام، حيث تمنع الأصوات المعارضة بينما تستضيف البرامج الحوارية متحدثيه غير الرسمين والمهللين له. وخلال ظهوره، أظهر السيسي خليطًا بين الجدّ والوطنية والتدين ولحظات بدا فيها ” شخصًا عاديًا”، يضحك على فكاهة أو يحبس دموعه أثناء استماعه إلى أم تتحدث عن ابنها الذي قتل أثناء محاربته مسلحين.

وخلال برنامج تلفزيوني حديث لبحث مسألة الفقر في المناطق الريفية، بدا السرور جليًا على مقدم البرنامج عندما اتصل السيسي  في مداخلة هاتفية “عفوية”: ” أتمنى ألا أكون أزعجك” قال السيسي بتواضع قبل التحدث عن جهود حكومته في إنشاء وحدات سكنية ومرافق أساسية.

وغالبًا ما يعلن  السيسي عن امتنانه وإعجابه بالمصريين الذين يتحملون مشقة الصعوبات واعدًا بمكافئتهم بأوقات أفضل. وهو يستخدم “قسوة المحب”ليمزج بين ما سبق وبين قوله للمصريين أنهم لا يمكنهم الاعتماد أكثر من ذلك على الأسعار المدعومة. بينما أخبر القاهريين بنبرة غاضبة هذا الأسبوع ضرورة التوقف عن الشكوى من أسعار تذاكر المترو  قائلًا إن الخدمات في مصر تظل من بين الأرخص في العالم. .

واحد من الأسئلة التي تم قرائتها خلال جلسة ” اسأل الرئيس” كانت من الناشط الحقوقي البارز  جمال عيد.  كتب عيد أن الجهاز الأمني الرئيسي أغلق خمس مكتبات أنشأا عيد  مستخدما أموال جائزة حقوقية دولية،  وفي شكواه، أشار إلى الجهاز باسمه السابق “أمن الدولة” بدلًا من “الأمن الوطني” كما يجرى تسميتها منذ 2011.

سأل السيسي وزير الداخلية بابتسامة تهكمية ” هل لدينا أمن دولة”؟ وقال السيسي أن عيد ينبغي أن يقيم دعوى قضائية ” ستبتّ المحكمة  في الأمر بينك وبين وزير الداخلية”. لكنه أضاف بعد ذلك أن إغلاق المكتبات كان يجب أن يتم من أجل حماية المصريين.

قال عيد لاحقًا لأسوشيتد برس أنه لا يوجد سبيل للاستئناف في المحكمة لأن الشرطة أغلقت المكتبات دون أن تصدر أوامر رسمية.

مقالات ذات صلة

إغلاق