اقتصادسياسة

أزمة أثينا: سذاجة يونانية أم جشع ألماني؟

واشنطن بوست: اليونان دفعت للدخول في نظام مالي لا يناسبها

واشنطن بوست – آنا سوانسن – ترجمة: محمد الصباغ

سار اليونانيون والإيطاليون رفقة الإسبان والأيرلنديين إلى بار حيث يقدم الفرنسيون والألمان المشروبات. إنها ساعة مرح، و يقدم الألمان والفرنسيون المشروبات بنصف الثمن. بالرغم من أن جميع الأشخاص شربوا سريعاً وكثيراً، إلا أن مقدمي المشروبات استمروا في خدمتهم. في النهاية عاد الزبائن في إلى منازلهم في حالة سكر وتسببوا في المشاكل مثل الشجارات، وحوادث السيارات وبعض النوافذ المكسورة.

إذاً، على من ستلقي اللوم هنا؟ بوضوح، اليونانيون لم يكونوا مضطرين للإفراط في الشراب. كما أن الفرنسيين والألمان كان عليهم ألا يقدمون مشروبات لليونانيين بعد أن أصبحوا في حالة سكر، خصوصاً لو كانوا لا يرغبون في وجود أحد جيرانهم بنوافذ مكسورة.

لسوء الحظ، الأمر ليس بنكتة. بعد الانغماس في حفلة كبيرة، غرقت اليونان الآن في أزمة اقتصادية وتجذب معها الاقتصاد الأوروبي نحو الهبوط. في الأيام القليلة الماضية، تعثرت اليونان في تسديد مهم لصندوق النقد الدولي وأغلقت بنوكها لمنع تدفق الأموال بغزارة خارج الدولة. و في يوم الأحد، من المقرر أن يحدث استفتاء شعبي لمعرفة إذا ما كان ستقبل اجراءات التقشف الصارمة التي تريدها أوروبا- وهو القرار الذي قد يحدد موقف اليونان من بقائها في منطقة اليورو أم لا.

بعض أسباب الأزمة واضحة للجميع. فاليونان لديها الكثير من المشاكل الاقتصادية المعروفة: القطاع العام متضخم وملئ بالفساد، والكثير من المحللين يقولون إن الدولة تخفي قيمة الدين الحقيقية عن باقي أوروبا.

هناك أيضاً العديد من المشاكل التي ظهرت بسبب تصميم منطقة اليورو نفسها –وهي أن الدول تتشارك بعملة واحدة بالرغم من اختلاف سياسات الضرائب والانفاق. لذلك يعني ذلك أنه حتى لو أن العمال اليونانيين ليسوا قادرين على المنافسة اقتصادياً كالألمان، فاليونان لا تستطيع أن تخفض من قيمة عملتها لتجعل منتجاتها أرخص في الخارج وتنشط الصادرات.

و ينطبق الأمر نفسه على التضخم، حيث تستطيع اليونان الاستفادة من معدل التضخم الذي قد يجعل قيمة الدين بأسعار هذه الفترة أرخص، بينما ألمانيا قلق تاريخي مع أي سياسة قد تنشط التضخم.

و هناك أيضاً بعض الأصول العميقة للأزمة اليونانية قد لا تكون معروفة للبعض. فبدخول اليونان عام 2002 إلى منطقة اليورو، كان يمكنها الاقتراض بفوائد رخيصة جداً لأن ذلك كان يتم تحت ضمان كامل من القارة، و بشكل درامي أفرطت الدولة في الاقتراض.

يقول ماتياس ماتيخاس، الأستاذ بجامعة جونز هوبكينس والمشارك في كتاب (مستقبل اليورو) حيث استعرت قصة البار، ”بسبب النمو المرتفع لم يقلق أحد بذلك الشأن“.

بين عامي 1998 و 2007، كان النمو الاقتصادي في اليونان بمعدل 3,8% للفرد، أي ثاني أسرع معدل في أوروبا. لكن كان هناك نقاط ضعف أيضاً. الاقتصاد المزدهر في اليونان و بعض الدول كأيرلندا وإسبانيا سبب ارتفاع في الأسعار وزادت الدول بسخاء في أجور العمال مما جعل صادراتهم أغلى سعراً. كل ذلك جعل تلك البلاد أقل في القدرة على التنافس، لكن بسبب نموهم السريع جداً كان ذلك لا يعني الكثير.

ثم حدثت الأزمة المالية، و أصبح النمو الاقتصادي بطئ، فصارت تلك الدول ضعيفة في التنافسية و عدم قدرتها على تحمل أعباء الديون أصبح واضحاً وضوح الشمس.  وأضاف ماتياس ”مثلما ينحسر المد فترى من كان يسبح عارياً.“

و أضاف أن هناك أقاويل لا تحكى كثيراً لكنها مقنعة أكثر، وتساعد في توضيح لماذا استمر مقدمو المشروبات في البار في خدمة زبائنهم.

في منتصف التسعينيات، حتى قبل وجود اليورو، راهنت الأسواق بشكل كبير على أن اليورو سيكون واقعاً. تحديداًن المستثمرين، الكثيرين في شمال أوروبا، راهنوا أن أسعار الفائدة في شمال وجنوب أوروبا سوف تتقارب. و في هذا الوقت، كانت أسعار الفائدة في جنوب أوروبا أعلى بكثير منها في الشمال، لسبب بسيط هو اعتقاد الناس أن الاستثمار في دول مثل اليونان كان أكثر مخاطرة من الاستثمار في دولة كألمانيا.

و في استباق لمنطقة اليورو، قام المستثمرون بوضع كثير من الأموال في السندات الرخيصة ذات العائد المرتفع في جنوب أوروبا. ساعد ذلك على خفض العائدات و زاد الاقتراض و الطفرة الاقتصادية في دول الجنوب.

في نهاية الأمر، كان المستثمر,ن على صواب، فأسعار الفائدة في اليونان على سندات العشر سنوات هبطت من 20% في بداية التسعينيات إلى 3% عام 2002. و يكمل ماتياس ”صنعوا الكثير من الأموال في الشمال بالرهان ضد أسعار الفائدة المرتفعة هناك. زاد ذلك من الطفرة الاقتصادية قبل مجئ اليورو الذي جعل تلك الاقتصادات في وضع عصيب.“

ومع حدوث ذلم للاقتصادات، ليس من المفاجئ بأن تعلني قدرتهم على المنافسة.

باختصار، الكثيرون في الشمال دفعوا إلى نظام مالي لم يتناسب مع الاقتصاد اليوناني. يلوم البعض، على حق، اليونانيين في أزمتهم الاقتصادية لكن البعض يلوم على الدول في شمال أوروبا أيضاً، حسب ما يقول ماتياس.

وقارن ماتياس الوضع في اليونان بأزمة الرهن العاري في الولايات المتحدة. من كان بالفعل المسؤول عن أزمة الإسكان في أمريكا: المقترضين من الرهن العقاري الذين لم يتحملوا تلك القروض، أم جشع المقرضين الذين شجعوهم على فعل ذلك؟

يقول ماتياس عن جنوب أوروبا ”الألمان لا يحبون تلك المقارنة. لكنهم كانوا طماعين. أرادوا السندات ذات الأرباج المرتفعة هناك، أرادوا الاستثمار هناك.“

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق