سياسةمجتمع

آنا الفرنسية: الداعشي الذي أحبني

الفرنسية آنا أوقعت الداعشي أبو  بلال في حبها ، والآن تعيش في حماية الشرطة   

أبو بلال

نيويورك بوست – مارجريت دريسكول – إعداد و ترجمة: محمد الصباغ

تبدو الفتاة الشابة التي تجلس في المقهى الباريسي وكأنها تنتظر صديقها على الغداء. ملابسها إرجوانية وشعرها داكن وعيناها يطل منهما الذكاء، ويدها مثقلة بالخواتم. تنظر بشكل متكرر عبر نافذة المقهى لكنها لا تنتظر قدوم صديقها إنها في انتظار ضابط الشرطة المكلف بحمايتها وتتمنى ألا يكون بعيدا عن المكان.

تعيش ”آنا إيريل“ في رعب تجربتها التى تقاطعت مع تنظيم الدولة الإسلامية. وتتلقى حاليا تهديدات بالقتل والتنكيل على الإنترنت، وينتشر فيديو لها على الشبكة الالكترونية مصحوباً بنص عربي يقول: ”الإخوة حول العالم، إذا رأيتموها أقتلوها“.

تمتلك آنا على هاتفها صورة لثلاث فتيات من بريطانيا، هم (شيماء بيجام 15 عاماً، وقاديسا سلطان 16 عاماً، وأميرة عباسي 15 عاماً) فقد عبرن قبل أسبوعين من مطار جاتوك للالتحاق بتنظيم الدولة في سوريا. تشير إلى شاشة الهاتف ، وتقول: ”أنظر إليهن، إنهن رائعات . يبدو أنهن يشعرن بالراحة والإسترخاء. ويبدن كما لو كن ذاهبات لقضاء أسبوعين على شواطئ تركيا. قد تجذب ثلاث فتيات يرتدين ملابس سوداء الانتباه، لكن بهذه الملابس التى ظهرن بها لماذا سيلتفت لهن أحد؟”.

وتضيف: ”كانت نفس التعليمات التي أعطيت لي عند ذهابي إلى سوريا. اخلعي النقاب، وكوني فتاة طبيعية. كوني لطيفة مع عائلتك، لن يشكوا في أمرك. لا تتركي شيئاً خلفك، لا مذكرة ولا رسالة هاتفية، لا تحاولي الشرح و إلا سيلاحقونك. كوني موجودة ليوم وفي التالي، اختفي“.

لم تكن آنا هي من تريد السفر إلى سوريا بل صنعت شخصية مزيفة لها على الإنترنت تدعى”ميلودي“ وتبلغ 20 عاماً، و تريد أن تكون زوجة لجهادي. آما إيريل صحفية تبلغ 32 عاماً، وتعمل بمجلة أسبوعية في باريس متخصصة في تغطية أخبار الشرق الأوسط.

منذ عامين، أجرت سلسلة لقاءات مع مراهقين في ضواحي باريس، تحديداً الضواحي الفقيرة التي أصبحت أرض خصبة للتطرف، ودهشت بكمية الشباب المسلم الذين أصبحوا متشددين. تقول آنا: ”يعرفون القليل عن الدين. بالكاد قرأوا كتاباً، وتعلموا الجهاد قبل الدين. سيقولون لك: “أنت تفكرين بعقلك، و نحن نفكر بقلوبنا” لديهم نظرة رومانسية للتطرف. أتعجب كيف حدث ذلك“.

والأمر المحير أكثر هو هوس الشابات في المجتمعات الحرة بالمقاتلين الجهاديين، وتضيف آنا: ”بالنسبة لهن، الجهاديين مثل براد بيت، وأفضل لأن براد بيت ليس متديناً“.

قررت بعد ذلك الدخول في دائرة مجتمع الشباب المسلم على الإنترنت، وانشأت حسابا مزيفا على الفيسبوك  وتويتر. وعرفت القليل عن الروابط المتزايدة بين المتطرفين  والشباب المسلم، وحتى الآن حجم الشبكة مذهل: سلطانة، أحد الفتيات المفقودات التى يعتقد أنها سافرت إلى سوريا كانت تتابع حسابات 70 متطرفاً على تويتر، وان لديها حوالي 11 ألف متابع.

كانت آنا تنوي ملاحظة المعلومات التى يتم تبادلها على الإنترنت وتكون صورة حول كيفية تحويل الشباب إلى متشددين في فرنسا. لكن حدث معها ما لم يكن متوقعا عندما اجتذب حاسب ”ميلودي“ انتباه ”أبو بلال“ أحد قادة تنظيم الدولة في مدينة الرقة. وقع في حبها وتقدم للزواج منها ودعاها إلى القدوم لأرض الخلافة.

تلقت الرسالة الأولى من أبو بلال في أواخر إبريل، وقال فيها: ”السلام عليكم، أختاه، أرى أنك رأيتي مقطع الفيديو. لقد رآه الكثير حول العالم، إنه لأمر مجنون!هل أنت مسلمة؟ ما رأيك في المجاهدين؟ هل تفكرين في القدوم إلى سوريا؟“

كانت آنا تشعر بالذهول. أبو بلال فرنسي من أصل جزائري والتحق بأبي بكر البغدادي في العراق، وانتقل معه إلى سوريا.

تواجدت ”ميلودي“ على الإنترنت لعدة أيام فقط، لكنها كونت دائرة واسعة من الأصدقاء، وشاركت الفيديوهات والمحادثات عن الجهاد. كانت تزعم أنها فتاة من منطقة فقيرة جنوب فرنسا وأمها تعمل لساعات طويلة وليس لها أب أو أخ. وفي الأيام التالية، أرسل لها أبو بلال صوراً له في سيارته ”الجيب“ وهو يحمل سلاحا. و سريعاً أخبرها بأنه يحبها وأنها يجب أن تذهب إلى سوريا.

ووعد أبو بلال “آنا” قائلاً: ”عندما تأتين إلى هنا، سوف تعاملين كالأميرات“، وتقول آنا: ”هذا هو سبب ذهاب الفتيات إلى هناك. إنه حلم الحياة الجيدة. هم يقتنعون أنها الجنة و أنهم لا يمتلكون أي مستقبل في فرنسا أو بريطانيا و أنهم لن يجدوا أزواجاً جيدين ولن يكونوا مسلمين جيدين، وهم محاطون بالشياطين. أخبر بلال ميلودي أنها سوف تحصل على حياة جميلة  وشقة كبيرة والكثير من الأطفال“.

و سريعاً جداً أيضاً أراد بلال أن يتحدث إليها شخصياً عبر ”سكايب“. تقول: ”لم أر وجه رجل قد يقتل أو يغتصب – لكنه تفاخر بقتله العشرات من الكفار- وكانت الدقائق الأولى لا تنسى. كان يحدق في وعندما نظرت إلى عينيه لم أر شيئاً، لا دين ولا مشاعر. لم يكن رجلاً جيداً“.

لم تكن “آنا” واثقة من قدرتها على التظاهر بانها أصغر بعشر سنوات لكن حجمها ووجها الصغيرين مع وضع الحجاب وتخفيف المكياج جعل الأمور تسير بشكل جيد.

تقول “آنا”: ”لقد كان أمراً غريباً أن أتعامل بلطف مع إرهابي أو أن أقل “أهلا، أخبرني عما تفعل في يومك” اعتقدت أني قد أشعر بعدم الراحة بالحجاب لكن ذلك ساعدني. عندما ارتديته أصبحت مختلفة تماما“.

كان بلال سعيداً، وقال: ”أنتِ تجعليني أضحك كثيراً“. مع تزايد ثقة بلال في “آنا” بدأ في الحديث عن حياته كمقاتل. شرح لها المعركة الدامية في مدينة الرقة في 2013 عندما قاتل الإسلاميون الجيش السوري للسيطرة على المدينة وكيف شارك في الضرب والذبح وتعذيب السجناء.

تصف آنا  عن بلال: ”لقد كان ثرثاراً، ويتحدث كثيرا عن نفسه. في البداية أردت أن أشعر تجاهه بأي شىء لأنني أعتقد أن هناك شئا جيدا في كل إنسان.. لكن لم يكن بداخله أي إنسان“.

اسمه الحقيقي رشيد ونشأ في مدينة روبيه بشمال فرنسا. وباعتباره أحد مساعدي البغدادي كان له ثلاث وظائف في سوريا: التجنيد، وجمع الضرائب وتحريك القوات. كان المقاتلون الجدد يتوافدون يومياً من أوروبا كما أخبرها. وقال لها: ”يتعلمون اللغة العربية في الصباح وإطلاق النار في المساء“، وأيضاً ”بعد أسبوعين، يتم تقييمهم و يتم اختيار الأذكياء منهم للمهام الخاصة مثل مواجهة الجواسيس“.

كانت “آنا” تشارك كل ما يخبرها به مع الإستخبارات الفرنسية. وأكدت: ”مثل كل الكاذبين، بعض الأحيان ينسى ما قد قاله سابقاً ويحكي قصة مختلفة لذلك كان علي التحقق من كل شىء. لكن القصص الأكثر فظاعة التي أخبرني بها عن المعارك والقتل كانت كلها حقيقية“. وأخبرها أيضا عن إعجابه بالإنتحاريين: ”نحن نقيم القوة بطريقتين، هما الإيمان والشجاعة. والإنتحاريون هم الأقوى بيننا جميعاً“.

وأصبحت ميلودي معروفة بأنها خطيبة أبو بلال، وأصبحت مشهورة بين أصدقائها من الإسلاميين على الإنترنت.

تقول “آنا”: ”قد يكون لذلك دور أيضاً في اختفاء الفتيات البريطانيات. من يذهبن إلى سوريا يعرفون أن اسمائهم ستكون في عناوين الصحف و على الإنترنت وسيتحدث عنهم الناس. هؤلاء الفتيات كن يتابعن على تويتر صديقاً لهن كان قد سافر إلى سوريا. بالتأكيد شاهدن معاناة عائلته لكن ذلك لم يمنعهن من الرحيل“.

في البداية رفضت ”ميلودي“ عندما حاول أبو بلال إقناعها بالسفر إلى مدينة الرقة في سوريا. وأخبرته أنها لا تستطيع ترك والدتها. كانت خائفة من السفر طوال تلك المسافة. وتروي آنا: ”لم ينتظر أي إجابة، قال عندما تصلي سوف تهتمين بالأيتام حتى تصبحين أما، وستزورين الجنود المصابين. كأنه تأكد أنني سأطيعه. أراد أن يعرف هل أمتلك المال الكاف لتذكرة الطائرة. أخبرني أن منظمته غنية وسيدفعون لي ثمن التذكرة”.

كانت الشرطة الفرنسية تأخذ حذرها من الفتيات المغادرات إلى سوريا ولذلك طلب منها بلال أن تسافر إلى أمستردام في البداية لمراوغة السلطات. ووافقت أخيراً على الذهاب إلى سوريا إلا إذا كان بمقدورها أن تصطحب صديقتها – الوهمية أيضا – ياسمين التى تبلغ 15 عاماً.

و أضافت: ”أخبرني أن أقول أني سأبيت في منزل ياسمين تلك الليلة. وعندما أصل إلى أمستردام، كان علي أن أتخلص من هاتفي وأحصل على واحد جديد وهنا أستطيع أن أتصل به من الرقم الجديد، لأخبره عن موعد وصول رحلتي من أمستردام إلى تركيا“.

وفي إسطنبول سوف تقابل ميلودي وياسمين إمرأة من تنظيم الدولة وسوف تصطحبهما إلى سوريا. وقررت آنا أنها سوف تواصل الخدعة حتى تلك النقطة. وقالت إنها تريد أن تقابل تلك المرأة التى تستطيع أن تعطي شابات صغيرات إلى رجال ليتزوجوهن، وأكدت أن الأمر شخصي فهي تريد رؤية وجهها.

وتقول آنا إنها وجدت شيئاً آخر في هؤلاء المجاهدين، فهم ”يقولون إنهم يرفضون الغرب والرأسمالية لكنهم يحبون الرفاهية والعلامات التجارية مثل أحذية نايكي ونظارات الريبان التي يرتدونها مع ملابسهم العسكرية.  وتلك طريقة أخرى لجذب الأطفال” عندما تقول لهم: “لقد كنت فقيرا مثلكم يوما ما .. واليوم انظروا لي”.

وفي أمستردام واجهت “آنا” مشكلة، وخافت من الشرطة وحين صرحت بذلك لبلال بدأ في الصراخ، وقالت آنا: ”كان مخيفا جدا، وغاضباً مني بسبب رفضي إكمال الرحلة. وقال: “لقد جعلتيني كالأحمق هنا، ومن الصعب أن أغفر ذلك“.

و كان هذا هو وقت قطع كل الاتصالات، لكن لم يكن الأمر سهلاً. مازال بلال يعتقد أن “ميلودي” موجودة في الواقع، واتصل يقول: ”أعرف من أنتِ، وهي مسألة دقائق حتى أصل إليك وأقتلك”.

عادت آنا إلى باريس وكتبت عن القصة في مجلتها. وتكتب حالياً كتابا بعنوان ”داخل جسد جهادي“. كتبت المقال تحت اسم مستعار، وهو ”إيريل“. وعندما نشرت القصة أصبحت مستهدفة.

اضطرت لتغيير رقم هاتفها عدة مرات وتركت منزلها. ومن المثير للقلق أنه بعد التخلص من ”ميلودي“ اتصل بلال بها من رقم هاتف فرنسي. ووصلتها الكثير من التهديدات بالقتل على حساب سكايب باسم ميلودي.

قالت إنها كتبت كتاباً، ولم تستطع أن تعترف به، وعقب أحداث شارلي إيبدو خصصت الشرطة لها حراسة.

وقالت: ”لقد أصروا، أحدهم يراقب المبنى الذي أسكن فيه. لم أعد أعرف إن كانوا موجودين أم لا. لقد أصبحت وحيد بعد ما حدث في شارلي إيبدو فقد أخاف الجميع وأصبح أصدقائي خائفين من البقاء معي. لقد أخذت الشرطة كلبي خشية أن يسهل مهمة التعرف على.. هم خائفون من أن يقتل الإرهابيين شخصا آخر بالخطأ فقط لأنه يمتلك كلب مثله”.

و بعد عدة أشهر من ذلك انتشرت أخبار عن مقتل بلال، وتقول آنا: ”لا أعرف إذا كان ذلك صحيحاً، ولا أعرف إذا كان يعرف هويتي الحقيقية”، وأضافت أن كل ما تعرفه هو أنها رغم كل شىء كانت ستفعل ما فعلته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق