ثقافة و فنسياسةمجتمع

آخر يهود اليمن

نيويورك تايمز: لم يعد ليهود اليمن أصدقاء.

jew2

 نيويورك تايمز – رود نوردلاند

ترجمة محمد علي الدين

كل ما تبقى من الجالية اليهودية العريقة في اليمن عبارة عن مقابر مهملة وقرى جيتو منعزلة فوق سفوح الجبال، ومنازل مبنية بحجارة عمرها ألف عام والقليل من اليهود مثل إبراهام يعقوب وعائلته الكبيرة. يعيش معظم يهود اليمن في محافظة عمران جنوبي البلاد، في إقليم يسيطر عليه الحوثيون الذين اعتبروا معاداة السامية جزء أصيلا في برنامجهم السياسي.

بدا هذا جليا عندما وصل السيد يعقوب البالغ 36 عاما إلى السوق يوم الخميس لمقابلة صحفيين واصطحابهم في زيارة نادرة إلى الجالية اليهودية. كان يعقوب يقود دراجته النارية البالية بينما تتطاير ضفيرتاه معلنتا أنه يهودي. عندما توقف المرور لدقيقة، بدأ تاجر قات في التحدث مع الصحفي والمترجم اليمني شعيب الموسوي، وقال: “ماذا تفعل مع هذا اليهودي القذر؟.. ولماذا تصاحبه؟”. رد المترجم: “هو إنسان في النهاية”، فرد تاجر القات: “لا هو ليس إنسانا.. “إن الله لعنهم”.

جاء اليهود- الذين كانوا بأعداد كبيرة من قبل- إلى اليمن قبل المسلمين بقرون عديدة، وما تبقى منهم نادرا ما يتعرض لتهديدات كبيرة بينما لا يتقدم لحمايتهم إلا القليلون. يسيطر الحوثيون الآن على البلاد، ووجودهم قوي بالتحديد في صنعاء العاصمة التى يعيش بها القليل من اليهود، و”ريدة” التى يسكنها 55 يهوديا يمنيا.

وقد أغلقت سفارتا الولايات المتحدة وبريطانيا، اللذين سهلا دوما هجرة اليهود من اليمن، أبوابهما  ، كما فعلت العديد من الدول الغربية.  كما أن رجل اليمن القوي والرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، الذى كان مدافعا عن اليهود، لم يعد فقط خارج السلطة بل أيضا غير محبوب من الحوثيين*. يقول يعقوب: “ليس لدينا اصدقاء.. لذا نحاول أن نبتعد عن الجميع بقدر الإمكان”.

يخشى يهود اليمن مما هو أكثر من الإساءات اللفظية. ففي مكان قريب من السوق الذى شهد الإساءة إلى يعقوب، وتحديدا في 2008، قتل طيار بالقوات الجوية اليمنية شابا يدعى “موشيه يأيش نهاري” ابن أشهر حاخامات اليمن وأب لثماني أطفال. وقد أطلق الطيار خمس طلقات قاتلة على “موشيه” أثناء خروجه من منزله بعد أن قال له: “يا يهودي.. إنها رسالة من الإسلام” وفقا لتقارير يمنية.

أدين الطيار وحكم عليه بالإعدام، لكن عائلة نهاري اضطرت لمغادرة البلاد بعد تعرضها لضغوط من قبيلة القاتل للقبول بالدية مقابل عدم تنفيذ حكم الإعدام. بعدها بسنوات قليلة، غادر تقريبا كل يهود ريدة اليمن. ويقول سليمان يعقوب الأخ الأكبر لإبراهام البالغ 45 عاما، والحاخام غير الرسمي والجزار الشرعي ليهود المنطقة، إنهم وثمانية عائلات أخرى يعتبرون استثناءً، ويبلغ إجمالي عددهم 55 شخصا.

يُبقي سليمان حاليا على ضفائره رفيعة وطويلة لكنه يخفيها وقبعة الرأس (الكيباه اليهودية) أسفل غطاء رأس عربي تقليدي يرتديه الرجال والصبية في اليمن. ويقول: “من العار أن نفعل ذلك أحيانا.. لكننا نفعله”، بينما يرد إبراهام الذى يرفض إخفاء ضفائره: “لا أخشى إلا الله”.

عانى يهود اليمن موجات من الاضطهاد كغيرهم من اليهود في الدول العربية. وفي الأصل عاش كثير منهم في محافظة صعدة في الشمال التى خضعت منذ وقت طويل للطائفة الزيدية، إحدى طوائف الشيعة، التى كانت تاريخيا معادية للسامية. وقد أضاف الحوثيون، ومركزهم صعدة، هذا الاتجاه إلى شعار حركتهم: “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، واللعنة على اليهود”.

خاض الحوثيون حروبا متتالية ضد الحكومة المركزية بدأت في 2004 و2007. وحينها وجه نائب حوثي عن صعدة تهديدا لليهود: “غادروا خلال 10 أيام أو ستتعرضون للهجوم”. فقام الرئيس الأسبق على عبد الله صالح، الزيدي المذهب، بنقل يهود صعدة إلى حي مسور قرب السفارة الأمريكية، ومن يومها صار صالح بطلا ليهود صعدة.

jew3

في 2009، كان يعيش 400 يهودي تحت حماية الرئيس الأسبق في ذلك المكان المعروف باسم “المدينة السياحية”. لم يبق منهم إلا حوالي 20 إلى 40 يهوديا حيث قص الكثير منهم ضفائره بعد أن قتل أحدهم على أبواب المدينة السياحية على يد مسلم اتهمهم بإفساد حياته بأعمال السحر.

أبدى يحيي يوسف، أحد اليهود الذين مازالوا هناك ويصف نفسه بـ”حاخام صنعاء”، شغفه أن نجري معه مقابلة عندما اتصلنا به هاتفيا لكنه قال إنه لا يستطيع مقابلتنا إلا إذا حصلنا على موافقة رسمية من مكتب الامن التابع للحوثيين في وزارة الداخلية. طلبنا تكرارا هذا التصريح طوال أسبوع لكننا لم نحصل عليه، ورفض أمن الحي المسور دخول الصحفيين.

في ريدة، يستهجن إبراهام يعقوب “معاداة السامية” التى يمارسها جيرانه، وقال: “يوجد أناس جيدون، واخرون سيئون”. ورغم ذلك لا يمكن تجاوز شعار الحوثيين الذى يرددونه في كل مسيراتهم المذاعة على شاشات التلفزيون، والمطبوعة على كل الجدران في المناطق التى يسيطرون عليها. ويقول إبرهام: “نعرف أن هناك حوثيين متفهمون ومتسامحون، ولم يؤذنا أي منهم.. لكن هذا اللعن محزن ومؤذي”.

يقول أخوه سليمان: “بأمانة نحن خائفون بعض الشىء من سيطرة الحوثيين ولا نعرف ما الذى سنفعله”. قد تختار عائلات اليهود الهجرة إلى الولايات المتحدة بدلا من إسرائيل، ويعقب سليمان: “أمريكا اهدأ.. ونحن تعرضنا لما يكفي من المشاكل”.

ورغم إغلاق السفارة الأمريكية، فإن سليمان مازال لديه أمل أن يحتفل ابنه يعقوب الذى بلغ 13 عاما هذا العام، بـ”البار ميتسفاه” الخاص به خارج اليمن. و”البار ميتسفاه” احتفال يهودي يقام عندما يبلغ الصبي 13 عاما حيث يصبح بالغا ومكلفا ومسؤولا عن أفعاله أمام الرب.

القليل من الأزواج البالغين مازلوا في اليمن، فمعظمهم هاجر. ويقول إبراهام: “اخر حفل زفاف أقيم ليهود أقيم في اليمن منذ عامين، وقد هاجرا ولم يعودا ثانية”. ويضيف: “لا يرغب أحد منا في البقاء في البلاد.. وإن شاء الله قريبا لن يكون هناك يهود في اليمن”.

ـــــ

*نشر المقال في نيوروك تايمز قبل أيام من بدء عملية “عاصفة الحزم” التي يتحالف فيها علي عبد الله صالح مع الحوثيين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق