ثقافة و فن, مجتمع

أحببت جدتي.. لكنها كانت نازية

كاتبة ألمانية: جدتي التي أحببتها كانت نازية

جدة جسيكا برفقة ثلاثة من أطفالها. حوالي عام 1943.

جسيكا شاتوك- نيويورك تايمز

ترجمة وإعداد: فاطمة لطفي

جيسيكا

جدي وجدتي كانا نازيين. استغرق الأمر مني وقتًا لقول ذلك أو الكتابة عنه. اعتدت التفكير فيهما أو الإشارة إليهما باعتبارهما “ألمان عاديين”. كما لو أنهما كانا فئة واضحة ومحايدة أخلاقيًا، لكن مثل الكثير من “الألمان العاديين”، كانا عضوين في الحزب النازي، انضما له عام 1937، أي قبل حتى أن يصبح الانضمام إلزاميًا.

جدتي، التي عاشت حتى عامها المئة تقريبًا، لم تبد كما عرفتها، كارهة للأجانب أو معادية للسامية. ولم تبد أنها متلائمة مزاجيًا مع الكراهية. ولهذا، كان التساؤل الأبدي بالنسبة إلي، هو أن أحاول فهم لماذا تورطت هذه المرأة التي أحببتها مع حركة أصبحت مرادفة لكلمة “شر”.

نشأت جدتي وجدي في حيّ للطبقة العامة في دورتموند الصناعية، حيث كانت البطالة منتشرة، وكانت المدينة محتلة من الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى. انضما إلى الحزب النازي ليصبحا من القادة الشبان في برنامج تعليمي زراعي للمراهقين. كانت جدتي دائمًا تقول إنها انضمت إلى النازية كـ”عضو مثالي” استوحى رؤيته من “إعادة بناء ألمانيا”.

أحبت جدتي فكرة العودة إلى الحياة الألمانية “التقليدية”، بعيدا عن الاضطرابات المربكة للاقتصاد العالمي، ومن خلال البحث، فهمتُ أن البرنامج الذي كانت جدتي عضوة فيه، كان جزءًا من رؤية أكبر لهتلر من أجل جعل ألمانيا مجتمعا زراعيا و”نقية عرقيا”، الجزء المتعلق بألمانيا “النقية عرقيا” لم تأت جدتي على ذكره أبدًا.

عبارة “لم نكن نعرف” كانت الجملة التي تكررها جدتي خلال الأوقات التي نقضيها معا، أثناء زيارتي لها في مزرعتها.

في صراعي الأخلاقي مع إشكالية أن جدتي التي أحبها كانت نازية، كنت لأسألها “لكن ألم تكونوا تسمعوا ما كان يقوله هتلر؟”. وكانت جدتي لو سألتها، لترد بإجابة كهذه “قال هتلر الكثير من الأشياء. لم أسمعها جميعها”. لكن ألم تري اليهود يتم جمعهم وأخذهم بعيدا؟ أو حتى كحد أدنى، يتعرضون لمضايقات على يد الشرطة؟ “لا”. كانت لتقول. ليس حيث كانت تعيش، وعلى أيّ حال، كان تركيزها في ذلك الوقت على مشكلاتها الخاصة، وعلى كسب العيش للإنفاق على احتياجاتها، وعند بدء الحرب: حماية أطفالها.

هذا الإصرار على جهلها كان عذرًا، لم، وما زلت لا أقبله. فمن المستحيل أنها “لم تكن تعرف” بمعاداة هتلر الفظيعة للسامية وأهدافه في ترحيل وإجلاء اليهود. ألم تتابع ما تعرفه عن خطة هتلر حتى نهايتها المخيفة والمستحيل تصورها؟ عن الرغبة في إرسال اليهود إلى مدغشقر وإلى “مستوطنات” في الشرق. لكن حتى إن صدقت ذلك، لماذا لم تكن مصدومة من الاضطهاد؟ ومن الحرمان الخطير للحقوق؟

أعاد هتلر فرص العمل، وأحيا الفخر الوطني، وقال أكاذيب ساحرة، في البداية صدّقت جدتي مثل الكثير من الألمان. كنت لألح عليها “بماذا شعرتِ عندما سمعت شائعات حول ما يجري في “المعسكرات”؟ ألم تستمعي أبدًا إلى التقارير الإخبارية لوسائل الإعلام الأجنبية؟”.

 كانت “تلك دعاية الحلفاء”، هي إجابة جدتي. هذا ما قاله هتلر. ووثقت فيه هي، مثل الكثير من الألمان. وعلى ما يبدو أن ثقتها، حررتها من الحاجة إلى فهم ما يحدث.

كيف تآلفتُ أنا مع جدتي التي أحببتها حتى وفاتها عام 2011، وهذا الشخص الآخر (النازي)؟

كانت محاولاتي لفهم اختياراتها، تربك محاولتي للغفران وإيجاد تبرير لها. لكن بالنسبة لي كانت محاولة الفهم تلك هي السبيل الوحيد لمجابهه الماضي وتحمل المسؤولية.

لقد سمعت جدتي ما أرادت سماعه من زعيم قدم إجابات بسيطة لتساؤلات صعبة. اختارت أن لا تسمع وأن لا ترى الناتج البشع الذي سببته تلك الإجابات البسيطة، وعاشت ما تبقى من حياتها تحت وطأة معرفتها بتواطئها الذي لا يمكن الدفاع عنه.

لكنها، بقبولها الحديث عن موضوع لم يكن ليخوض فيه سوى القليل من أبناء جيلها، علمتني أهمية أن نسعى إلى معرفة أفضل.

///
  • Share:
  • Facebook
  • Twitter
  • Linkedin
  • Google+